- عماد العتابي
انتشر تسجيل مصور يظهر الملاكم المغربي “إبراهيم بنمالك” وهو يعتدي على شاب مغربي في محل تجاري بمدينة طنجة. شاب لا يظهر في المشاهد المتداولة أنه كان يحمل سلاحا أو يشكل خطرا جسديا، أمام رجل محترف يعرف جيدا معنى القوة وتأثيرها.
بعد ذلك خرج الملاكم البلطجي ليقدم روايته، متحدثا عن “الاستفزاز” و”التمادي”، وربط ما وقع بالدفاع عن الملك. وهنا تحولت الحادثة من مجرد واقعة عنف إلى سؤال سياسي مشروع؛ كيف أصبح اسم الملك، في ذهن البعض مبررا كافيا للانتقال من الاختلاف إلى الضرب؟
في طنجة، لم يكن المغاربة أمام مجرد شجار بين شخصين. كانوا أمام مشهد يحمل كل التناقضات التي تختزنها علاقة المخزن بالمجتمع؛ ملاكم محترف مقرب من دوائر القرار كما يتوهم يوجه ضرباته إلى شاب، ثم يخرج ليقدم تفسيرا لما حدث، لا باعتباره خطأً فرديا فقط، بل باعتباره ردة فعل مرتبطة بالدفاع عن الملك، كما جاء في روايته.
لا يتعلق الأمر بملاكم ضرب شابا في طنجة فقط. من يريد اختزال القضية في هذه الصورة الصغيرة يهرب من الحقيقة. لأن القضية ليست في اليد التي ارتفعت فقط، بل في المناخ الذي جعل هذه اليد تعتقد أنها تملك الحق في أن تعاقب مواطنا لأنه قال ما لم يعجبها.
في الدول التي تحترم نفسها، لا يوجد مواطنون مفوضون لمعاقبة الآخرين باسم الدولة. لا يوجد من يملك حق تحويل الشارع إلى محكمة، ولا من يضع نفسه في موقع الحارس الذي يقرر من تجاوز الخطوط الحمراء ومن يستحق العقاب.
فالاعتداء قد يكون سقوط إنسان أمام غضبه، لكن الدفاع عن الاعتداء هو سقوط مجتمع كامل أمام منطق القوة. لأنه عندما يصبح المعتدي قادرا على القول: “لقد استفزني”، وكأن الاستفزاز يمنحه تفويضا بالعقاب، فنحن أمام أزمة في فهم معنى القانون.
لكن هذا النوع من السلوك لا يولد من فراغ. إنه ابن ثقافة سياسية جعلت القرب من السلطة، أو الادعاء بالقرب منها، مصدرا للقوة والنفوذ. ثقافة لا تقوم فقط على المؤسسات، بل على الأشخاص، وعلى من يملك القدرة على تقديم نفسه باعتباره أقرب إلى مركز القرار من غيره.
إن جزءا من أزمة المخزن تاريخيا لم يكن فقط في وجود السلطة، بل في الطريقة التي تُمارس بها الرمزية السياسية حولها. عندما تصبح صورة الملك فوق النقاش، وعندما يتحول القرب من دوائر النفوذ إلى رأسمال معنوي، فإن بعض الأشخاص قد يفهمون الرسالة بشكل خاطئ أن الدفاع عن النظام يعني إسكات الآخرين، وأن الولاء يمنح امتيازا غير مكتوب.
وهنا لا يمكن فصل الواقعة عن سؤال أعمق حول مفهوم المخزن في المغرب، ليس باعتباره مجرد أجهزة أو مؤسسات، بل باعتباره نمطا من ممارسة النفوذ يقوم على شبكة الولاءات، وعلى حضور الوسطاء، وعلى الإحساس بأن بعض الأشخاص ليسوا مجرد مواطنين، بل أصحاب مكانة خاصة بحكم قربهم أو خطابهم أو خدماتهم.
عندما تنتشر هذه الثقافة، يصبح الخطر أن يعتقد البعض أن الدفاع عن السلطة يعني مهاجمة خصومها، وأن حماية صورة الدولة تعني إسكات الأصوات التي لا تعجبهم.
ومن هنا نفهم لماذا يصبح اسم الملك حاضرا في مثل هذه التبريرات. الملك، كمؤسسة ورمز سياسي، لا يحتاج إلى من يضرب باسمه، والدولة لا تحتاج إلى مواطنين يمارسون دور الشرطة السياسية في الشارع. بل إن أسوأ خدمة يمكن أن يقدمها شخص للنظام هي أن يجعل الناس يربطون صورته بالخوف والامتياز والقوة خارج القانون.
هذه القضية تفتح أيضا بابا للنقاش حول ظاهرة بعض الشخصيات الرياضية التي تجاوز حضورها حدود الرياضة نحو فضاء النفوذ والرمزية السياسية. فاسم الملاكم أبو زعيتر أصبح معروفا في النقاش العمومي بسبب ظهوره المتكرر إلى جانب الملك محمد السادس، وإبراهيم بنمالك صاحب واقعة طنجة، يرتبط به بعلاقة صداقة. وهنا لا يصبح السؤال متعلقا بالأشخاص فقط، بل بما قد تنتجه مثل هذه العلاقات من إحساس لدى البعض بالقرب من دوائر القوة، وما إذا كان هذا القرب يتحول في وعي البعض إلى شعور بالحصانة أو امتلاك سلطة معنوية على الآخرين.
الدولة القوية لا تخاف من النقد. والأنظمة الواثقة لا تحتاج إلى جيوش من المدافعين الذين يهاجمون كل صوت مختلف. لأن قوة أي مؤسسة لا تقاس بعدد من يرفعون شعار الدفاع عنها، بل بقدرتها على حماية الحق في الاختلاف.
حادثة طنجة يجب ألا تُغلق عند حدود فيديو انتشر ثم اختفى. فهي تطرح سؤالا أكبر؛ هل نريد مغربا يكون فيه القانون هو مصدر القوة، أم مغربا يشعر فيه البعض أن قربهم من السلطة يمنحهم سلطة على الآخرين؟
لأن المشكلة في النهاية ليست في لكمة واحدة.
المشكلة في اليوم الذي يصبح فيه البعض مقتنعا بأن اليد يمكن أن تقوم مقام الدولة.
