- عماد العتابي
بعد مجلس «إيش إيش»، الذي اشتهر بفضيحة التسريب التي هزت صورة المجلس الوطني للصحافة وكشفت للرأي العام جانبا من الطريقة التي كانت تدار بها أخلاقيات المهنة من داخل هذه المؤسسة، جاء الدور اليوم على «شحتنة» المجلس. وكأن المغاربة لم يكن ينقصهم سوى أن تنتقل مؤسسة يفترض أن تكون حامية للصحافة وأخلاقياتها إلى أيدي المشهرين والمخبرين، وعلى رأسهم إدريس شحتان، مالك ومدير نشر «شوف تيفي»، المنبر الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز عناوين صحافة التشهير في المغرب.
لقد كان مجلس «إيش إيش» عنوانا لمرحلة بائسة من عمر التنظيم الذاتي للصحافة، ليس فقط بسبب التسجيل المسرب وما أثاره من فضيحة، وإنما لأن تلك الواقعة كشفت إلى أي حد يمكن أن تنحرف مؤسسة يفترض أن تحمي أخلاقيات المهنة عن أبسط قواعد الاحترام والمسؤولية. كان يفترض أن تكون تلك الفضيحة لحظة مراجعة حقيقية، وأن يفهم القائمون على القطاع أن المجلس الوطني للصحافة لا يمكن أن يستعيد ثقة الصحافيين والرأي العام إلا إذا قطع مع كل أشكال الابتذال والتشهير وتصفية الحسابات. لكن ما نراه اليوم يوحي بأننا لم نغادر منطق «إيش إيش»، وإنما انتقلنا إلى نسخة أخرى منه، عنوانها هذه المرة «شحتنة» المجلس.
وما معنى «شحتنة» المجلس؟ معناها ببساطة أن يصبح واحد من أبرز وجوه صحافة التشهير عضوا في المؤسسة التي يفترض أن تسهر على تنظيم المهنة وحماية أخلاقياتها. إدريس شحتان ليس اسما عاديا في المشهد الإعلامي المغربي، وإنما هو مالك ومدير نشر «شوف تيفي»، المنبر الذي جعل من النبش في الحياة الشخصية للناس، وملاحقة السياسيين والمناضلين والحقوقيين والصحافيين، وتحويل خصوماتهم وخلافاتهم إلى مادة للفرجة والتشهير، نموذجا إعلاميا قائما بذاته.
إنها صحافة لا تقتات على التحقيق في الملفات التي تهم المجتمع، وإنما تقتات على الخوض في الحياة الخاصة للأشخاص، وعلى البحث عن نقاط ضعفهم، وعلى تحويل صورهم وماضيهم وعلاقاتهم ومشاكلهم الشخصية إلى مواد قابلة للاستهلاك. صحافة تعرف أن التشهير أسرع من التحقيق، وأن الفضول أسرع من المعلومة، وأن النبش في الحياة الخاصة يجلب مشاهدات أكثر من البحث الهادئ عن الحقيقة. وهكذا أصبح الإنسان، في هذا النوع من الإعلام مادة خاما، وأصبحت كرامته سلعة وأصبحت حياته الخاصة مخزنا مفتوحا لكل من يريد صناعة «البوز».
هذه الصحافة لم تعد تكتفي بأن تمارس التشهير من خارج المؤسسات، وإنما أصبحت اليوم تصل إلى المؤسسة التي يفترض أن تضع الحدود أمام التشهير. كيف إذن يمكن لمجلس وطني للصحافة أن يتحدث عن أخلاقيات المهنة بينما يجلس في صفوفه من يمثل نموذجا صارخا لصحافة التشهير؟ كيف يمكن للمجلس أن يحاسب الصحافيين على انتهاك قانون وأخلاقيات الصحافة، بينما أصبح أحد أبرز وجوه هذا النوع من الإعلام جزءا من تركيبته؟
لقد أصبح المجلس اليوم في يد إعلام التشهير. إعلام المشهرين والمخبرين الذين لا يرون في الناس سوى ملفات قابلة للفتح، ولا يرون في الخصوم سوى فرائس قابلة للتشهير ولا يرون في الحياة الخاصة سوى مادة جاهزة للنشر. وحين يصبح هؤلاء جزءا من المؤسسة التي يفترض أن تحمي الصحافة من الانحراف، فإن الأمر لم يعد يتعلق بخلاف حول اسم أو شخص، وإنما يتعلق بتحول خطير في طبيعة المؤسسة نفسها.
إدريس شحتان، الذي يقف على رأس «شوف تيفي»، لم يأت إلى المجلس من مدرسة الصحافة المهنية الهادئة، ولا من تقاليد التحقيقات الاستقصائية التي تبحث عن الوثائق وتواجه أصحاب النفوذ بالأسئلة، وإنما جاء من مدرسة أخرى، مدرسة الإعلام الذي عرف كيف يحول التشهير إلى صناعة، وكيف يجعل من حياة الناس الخاصة مادة يومية، وكيف يحول المناضل والحقوقي والسياسي والصحافي إلى هدف دائم للنبش والملاحقة والتشهير.
ولذلك فإن وجوده داخل المجلس الوطني للصحافة لا يمكن أن يُقرأ باعتباره مجرد نتيجة انتخابية عادية. إنه يعكس في العمق، صعود نموذج إعلامي كامل إلى قلب مؤسسة يفترض أن تكون حارسة للمهنة. نموذج يرى أن من يملك المنبر الأقوى والأكثر قدرة على صناعة الضجيج يملك بالضرورة نفوذا أكبر، وأن من يستطيع أن يرفع شخصا إلى السماء أو يسحله في الوحل أمام ملايين المتابعين يصبح لاعبا لا يمكن تجاهله.
وهنا لا بد من قول الأمور بأسمائها: «شوف تيفي» هي الذراع الإعلامية للتشهير، وهي في تقديري إحدى الأدوات التي جرى توظيفها في منظومة إعلامية تخدم أجندات السلطة والأجهزة، وعلى رأسها المخابرات. لقد تحولت المنصة إلى ذراع تشهيرية تضرب الخصوم وتلاحق المناضلين وتنبش في حياتهم الخاصة، وتستعمل الإعلام ليس فقط لنقل الأخبار، وإنما لصناعة صورة عن الأشخاص وإعدام صورتهم أمام الرأي العام عندما تقتضي المعركة ذلك.
وهذا هو جوهر المشكلة. فالإعلام الذي يفترض أن يكون سلطة رابعة يراقب السلطة ويكشف تجاوزاتها، يتحول في هذه الحالة إلى سلطة فوق الأشخاص، تستعمل الكاميرا والعنوان والفضيحة والإشاعة كسلاح.
ومن هنا تصبح «شحتنة» المجلس الوطني للصحافة أكثر من مجرد سخرية من اسم. إنها وصف لمسار أصبحت فيه صحافة التشهير جزءا من بنية القرار المهني. بالأمس كان المجلس السابق عنوان «إيش إيش»، واليوم يدخل إليه شحتان، وكأن الرسالة التي يراد توجيهها للصحافيين واضحة؛ إذا أردت أن تكون مؤثرا في هذا المشهد، فلا يكفي أن تكون صحافيا؛ عليك أن تكون صاحب منبر قادر على التشهير، وقادرا على صناعة الخوف والضجيج والضغط.
لكن الصحافة التي نريدها ليست هذه. الصحافة ليست أن تقتحم حياة الناس، ولا أن تفتش في غرف نومهم، ولا أن تحول عائلاتهم وأبناءهم وعلاقاتهم إلى مادة للانتقام السياسي والإعلامي. الصحافة هي أن تبحث عن الحقيقة حيث توجد، وأن تضع السلطة تحت المجهر، وأن تكشف الفساد، وأن تدافع عن حق المواطن في المعلومة، وأن تمنح المختلف سياسيا وحقوقيا ومناضلا حقه في الكرامة حتى عندما يكون هدفا سهلا للإثارة والتشهير.
إن شحتنة المجلس ليست شأنا شخصيا يخص إدريس شحتان وحده، وإنما هي عنوان لمرحلة يصبح فيها المشهرون أصحاب كلمة داخل المؤسسة التي يفترض أن تحارب التشهير. وحين يصل إعلام التشهير إلى المكان الذي يفترض أن يحاسب التشهير، فإننا لا نكون أمام إصلاح للمشهد الصحفي، وإنما أمام قلب للمعادلة.
من «إيش إيش» إلى «شحتنة» المجلس الوطني للصحافة، ويبدو أن المشكلة لم تعد في من يجلس على الكرسي، وإنما في نوع الصحافة التي تريد أن تجلس على هذا الكرسي. صحافة التحقيق أم صحافة التشهير؟ صحافة الحقيقة أم صحافة النبش؟ صحافة المعلومة أم صحافة المخبرين؟ تلك هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها كل من يريد للصحافة المغربية أن تكون سلطة للرقابة والحرية، لا أداة للتشهير وتصفية الحسابات.
