- عماد العتابي
حين أقرّ مجلس النواب الإسباني، في 10 سبتمبر 2026، مشروعا يتيح بشروط محددة منح الجنسية الإسبانية لمن وُلدوا في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية ولأحفادهم، لم يكن البرلمان الإسباني يستحضر التاريخ فقط؛ كان يعترف بصورة عملية، بأن الاستعمار الإسباني ما زال قادرا على إنتاج حقوق وآثار قانونية بعد عقود من انتهائه.
لكن هذا الاعتراف يضع مدريد أمام مرآة لا تريد النظر إليها، فإذا كان الاستعمار الإسباني يمكن أن يكون أساسا لحق قانوني اليوم، فلماذا لا يمكن أن يكون أساسا لمسؤولية تاريخية أيضا؟
هنا يظهر الريف، بكل ما يحمله من ذاكرة لم تُغلق. فهذه المنطقة لم تكن مجرد أرض في أطراف خارطة الاحتلال الإسباني، بل كانت مسرحا لحرب استعمارية شرسة، من كارثة أنوال سنة 1921 إلى الحرب التي انتهت بإسقاط مقاومة عبد الكريم الخطابي، بعد أن استعانت إسبانيا بفرنسا والسلطان المغربي في حملة عسكرية واسعة. وفي هذه الحرب استُخدم القصف الجوي على نطاق واسع، وتوثق وثائق برلمانية إسبانية وأبحاث تاريخية استخدام القوات الإسبانية لأسلحة كيميائية محرمة دوليا، بينها غازات سامة وغاز .
في البرلمان الإسباني طُرحت سنة 2007 مبادرة تطالب بالاعتراف بمسؤولية الدولة عن استخدام الأسلحة الكيميائية في الريف، وفتح الأرشيفات العسكرية ودعم البحث التاريخي، والنظر في سبل جبر الضرر. لكن المبادرة رُفضت في اللجنة البرلمانية.
إذن ما الذي تغير؟ يبدو أن المشكلة ليست في التاريخ الاستعماري نفسه، بل في الطريقة التي تختار بها إسبانيا استخدامه. عندما يكون الماضي مفيدا لإنتاج حقوق أو ترتيبات سياسية، تستحضره مدريد بكل تفاصيله. وعندما يفتح الماضي باب المسؤولية والمساءلة، يصبح فجأة «تاريخا قديما» ينبغي تركه وراءنا.
هذه ليست مصالحة مع التاريخ، بل انتقائية سياسية في الذاكرة. ولا يمكن لإسبانيا أن تطلب من الآخرين تجاوز الماضي بينما تحتفظ هي بحق اختيار أي جزء منه تريد أن تتذكره. لا يمكنها أن تقول إن الاستعمار انتهى عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية، ثم تقول إنه ما زال حاضرا عندما يتعلق الأمر ببعض الحقوق الموجهة للاستغلال السياسي.
إذا كانت إسبانيا تريد أن تتعامل مع إرثها الاستعماري بجدية، فعليها أن تتوقف عن انتقاء ضحاياه. فالريف أيضا جزء من ذلك التاريخ الدموي، ودماء الريف ليست أقل قيمة من الوثائق التي تمنحها مدريد اليوم حقوقا قانونية لمن عاشوا تحت إدارتها الاستعمارية.
إسبانيا لا تستطيع أن تختار من تاريخهت الاستعماري ما يناسب حاضرها، ثم تطلب من ضحايا استعمارها أن ينسوا ما لا يناسبها. فالذاكرة ليست قائمة انتقائية تُفتح عند الحاجة وتُغلق عند تكون التبعات مكلفة، والعدالة لا تتجزأ بحسب الجغرافيا ولا بحسب المصالح والأهداف السياسية.
لقد انتهى الاحتلال الإسباني للريف، لكن التاريخ لم ينته. وما لم تجرؤ مدريد على مواجهة ما حدث في الريف، فإن كل حديث إسباني عن الديمقراطية وحقوق الإنسان سيظل ناقصا أمام ذاكرة شعب لم تُمحَ من أرضه آثار تلك الحرب.
يمكن لإسبانيا أن تؤجل الاعتراف، وأن تغلق الأرشيفات، وأن تتجاهل المطالب لعقود أخرى؛ لكنها لا تستطيع أن تغيّر ما حدث. فالريف لا يحتاج إلى إذن مدريد كي يتذكر جرائمها، ولا يحتاج إلى اعترافها كي يعرف تاريخه. وإذا كانت إسبانيا تريد فعلا أن تكون دولة أوروبية حديثة تنظر إلى ماضيها بشجاعة، فلتبدأ من المكان الذي طالما حاولت أن تنظر بعيدا عنه.. وهو الريف.
