تقرير – الرباط
على خلاف البلاغ الذي أصدره حزب العدالة والتنمية أمس، واكتفى فيه بتجديد موقفه الرافض للتطبيع، قبل دعوة أعضائه ومناضليه إلى عدم الخوض في الموضوع والتركيز على الحملة الانتخابية، اختار تحالف اليسار رفع سقف المواجهة السياسية، معلنا رفضه انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، وداعيا إلى التصعيد وتوحيد جهود القوى الرافضة لمسار التطبيع.
ويأتي هذا التباين في أعقاب الإعلان عن اتفاق المغرب و”إسـ.رائيل” على الارتقاء بمستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، في خطوة تفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين الرباط وتل أبيب، وتعيد ملف التطبيع إلى واجهة النقاش السياسي المغربي، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر.
بلاغ تحالف اليسار لم يقتصر على رفض الخطوة الدبلوماسية الجديدة، بل وسّع دائرة الرفض لتشمل مسار التطبيع برمته، معلنا معارضته لأي شكل من أشكال العلاقات مع “إسرائيل”، سواء تعلق الأمر بالسفارات ومكاتب الاتصال أو بالاتفاقيات والشراكات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والإعلامية.
كما دعا التحالف إلى توحيد جهود القوى السياسية والمدنية والحقوقية والنقابية والجمعوية من أجل مواجهة مسار التطبيع، معتبرا أن الظرفية الحالية، في ظل استمرار الحرب على غزة وتداعياتها الإقليمية، تستوجب موقفا سياسيا أكثر وضوحًا، وفق ما ورد في بيانه.
وفي السياق ذاته، صعّد جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، من لهجته، داعيًا مختلف الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، إلى إعلان مواقف واضحة بشأن مستقبل العلاقات مع “إسرائيل”، وربط المشاركة في الحكومة المقبلة بموقف من إنهاء التطبيع.
كما حمّل العسري الأحزاب التي تقود الحكومة الحالية مسؤولية سياسية عن التطور الجديد، وأعاد إلى الواجهة مسؤولية العدالة والتنمية عن محطة 2020، باعتبار أن استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية تم في عهد الحكومة التي ترأسها سعد الدين العثماني.
في المقابل أكد حزب العدالة والتنمية، في بلاغ صادر في 17 شتنبر، أن موقفه من التطبيع «ثابت وراسخ»، وأنه يرفض كل أشكال العلاقات والاتفاقيات مع “إسرائيل”.
غير أن البلاغ وجّه في الوقت نفسه أعضاء الحزب ومناضليه إلى عدم الخوض فيما ينشر داخليًا وخارجيًا حول الموضوع، والتركيز على مواصلة الحملة الانتخابية.
ويكشف هذا الموقف عن مقاربة مختلفة للتعامل مع المستجد؛ فالحزب حافظ على موقفه المعلن من التطبيع، لكنه لم يدفع بقواعده إلى الانخراط في سجال سياسي علني حول الانتقال إلى مستوى السفارات، مفضلا التركيز على الاستحقاق الانتخابي.
وتكتسب هذه المواقف حمولة سياسية إضافية بالنظر إلى موقع العدالة والتنمية خلال محطة استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، حين كان سعد الدين العثماني رئيسًا للحكومة وأمينًا عامًا للحزب، وشارك في توقيع الإعلان المشترك المرتبط باستئناف العلاقات.
وفي السنوات اللاحقة، عاد الحزب إلى إصدار مواقف تؤكد رفضه للتطبيع، وربط بعضها باستمرار الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في المنطقة. غير أن رفع مستوى العلاقات إلى السفارات يطرح هذه المرة سؤالا أكثر مباشرة حول كيفية ترجمة موقف الرفض المعلن إلى موقف سياسي عملي تجاه التطور الجديد.
ومن أبرز النقاط التي حملها بلاغ تحالف اليسار تأكيده أن قضية الوحدة الترابية للمغرب لا ينبغي أن تكون مدخلًا لتبرير التطبيع، داعيا إلى الفصل بين ملف الصحراء ومسار العلاقات مع “إسرائيل”.
وبذلك، لا يقتصر موقف التحالف على الاعتراض على تبادل السفراء، وإنما يطرح أيضا تصورا للعلاقة بين الملفات الوطنية الكبرى والسياسة الخارجية، مؤكدًا أن دعمه للوحدة الترابية لا يعني وفق موقفه، القبول بالتطبيع أو بالشراكات التي نشأت عنه.
ويضع الانتقال إلى مرحلة السفارات وتبادل السفراء الأحزاب المغربية أمام نقاش جديد، لا يتعلق فقط بتوصيف موقفها من التطبيع، وإنما بكيفية التعامل سياسيا مع واقع دبلوماسي جديد.
ففي الوقت الذي اختار فيه العدالة والتنمية تأكيد موقفه الرافض للتطبيع مع دعوة قواعده إلى عدم الخوض في المستجد والتركيز على الحملة الانتخابية، جعل تحالف اليسار من التطور الجديد مناسبة لإعادة طرح التطبيع كملف سياسي مركزي، والدعوة إلى توسيع جبهة القوى المناهضة له.
وبذلك، ينتقل النقاش من سؤال الموقف المبدئي من التطبيع إلى سؤال أكثر مباشرة حول ما الذي ستفعله الأحزاب والقوى السياسية تجاه انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات؟
فبين رفض معلن يفضّل تجنب السجال السياسي في الظرف الانتخابي، ودعوة إلى مواجهة مسار التطبيع وتوحيد القوى الرافضة له، يعود الملف الفلسطيني والعلاقات المغربية الإسرائيلية إلى واجهة النقاش السياسي المغربي، في انتظار أن تكشف الاستحقاقات المقبلة حدود الفعل السياسي الممكن تجاه هذا المسار ومستقبله.
