- عماد العتابي
لم يكن المشهد في نيويورك مجرد مراسم لتوقيع اتفاق دبلوماسي جديد بين المغرب و”إسرائيل”. كان مشهدا تختصر فيه الصورة ما تعجز البيانات الرسمية عن إخفائه. وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة جالس إلى جانب الإسرائيلي والأميركي، بملامح شاردة وحضور باهت ومرتبك، وكأنه ليس أمام شركاء في اتفاق، وإنما أمام من جاء ليصغي إلى التعليمات ويتلقى ما يُلقى عليه من توجيهات وأوامر.
كان المشهد أقرب إلى جلسة تحقيق سياسي منها إلى حفل توقيع؛ وزير مغربي يجلس في حضرة من يفترض أنهم “شركاء”، لكن الصورة توحي بشيء آخر تماما، حيث بدا بوريطة في الصورة صغيرا ومرتبكا ومنزوع المبادرة، كأن الرجل خرج لتوه من جلسة تقريع وتوبيخ من «أسياده» الأميركيين والإسرائيليين.
هناك فرق هائل بين دولة تقيم علاقات مع القوى الكبرى، ودولة تصبح علاقاتها مع تلك القوى شرطا لاتخاذ قرارها. فالأولى تمارس الدبلوماسية، والثانية تمارس التبعية.
وهذا هو جوهر المسألة التي تكشفها صورة وزير الخارجية المغربي في هذا المشهد المؤلم. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لأن حين تفقد الدولة استقلال قرارها، لا تحتاج إلى أن تفقد علمها أو حدودها حتى تفقد جزءا من سيادتها. فالتبعية الحديثة لا تأتي دائما على شكل احتلال عسكري. قد تأتي في صورة قرض أو اتفاق أمني أو تعاون استخباراتي أو استثمار أو شراكة استراتيجية أو حماية سياسية، ثم تتراكم هذه الروابط حتى يصبح القرار الوطني محكوما بشبكة من المصالح والالتزامات الخارجية.
في البداية تقول الدولة إنها شراكة ثم تقول؛ إنها مصلحة. ثم تقول إنها ضرورة. ومن ثم يأتي اليوم الذي يصبح فيه رفض إرادة الشريك الخارجي أكثر كلفة من قبولها. وهنا تحديدا تبدأ السيادة في التآكل. لأن الدولة ذات السيادة لا تُقاس فقط بما تستطيع فعله، وإنما بما تستطيع رفضه.
قد تستطيع دولة ما توقيع عشرات الاتفاقيات، لكن هل تستطيع أن ترفض اتفاقا إذا تعارض مع مصلحتها؟ هل تستطيع أن تغير موقفها إذا تغيرت الظروف؟ هل تستطيع أن تعيد النظر في تحالفاتها؟ هل تستطيع أن تقول لحليفها الأقوى؛ هذا القرار لا يخدمنا؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن المشكلة ليست في حجم الاتفاقيات، وإنما في حجم الهامش السيادي الذي بقي للدولة. لأن التبعية أخطر من الضغط المباشر لأنها تجعل الدولة تمارس الرقابة على نفسها. حيث لا يحتاج الخارج دائما إلى إصدار الأوامر. يكفي أن تعرف السلطة مسبقا ما الذي يريده الحليف، وما الذي يغضبه، وما الذي يمكن أن يترتب على مخالفته، حتى يبدأ القرار الوطني في إعادة تشكيل نفسه تلقائيا وفقا لإرادة الخارج.
السيادة لا تُنتزع دائما بالقوة؛ أحيانا تتنازل عنها الدولة قطعة بعد أخرى، تحت عنوان الواقعية وتحت عنوان المصالح وتحت عنوان الشراكة، حتى يصبح التراجع عن التنازلات أصعب من تقديمها.
والخطير أن التبعية لا تبقى في وزارة الخارجية، إنها تمتد إلى الاقتصاد والأمن والعسكر والإعلام والسياسة والثقافة. فكلما زادت الدولة اعتمادا على قوة خارجية، أصبحت هذه القوة قادرة على التأثير في خياراتها في ملفات أخرى. العلاقة التي بدأت اقتصادية قد تتحول إلى نفوذ سياسي، والسياسية إلى أمني، والأمني إلى قدرة على التأثير في القرار الاستراتيجي.
وهكذا يصبح الخارج حاضرا في كل غرفة من غرف صناعة القرار، حتى عندما لا يجلس فيها أحد من الخارج. تلك هي التبعية في صورتها الأكثر خطورة. أن يصبح الآخر حاضرا في القرار من دون أن يحتاج إلى أن يكون حاضرا في المكان.
ومن هنا فإن قضية التطبيع المغربي الإسرائيلي لا يمكن اختزالها في وجود سفارة أم لا؟ وما الذي تخلقه هذه العلاقة من اعتماد متبادل ومن التزامات، ومن ارتباطات تجعل هامش القرار المغربي أضيق مستقبلا أو منعدما؟
فالسفارة ليست نهاية المسار بل مؤسسة داخل مسار. وتبادل السفراء ليس مجرد بروتوكول، بل تثبيت لعلاقة سياسية تصبح مع الوقت أكثر تشابكا مع الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والاستثمار وغيرها من المجالات. وكلما ازدادت هذه التشابكات، ازدادت كلفة قول «لا».
لقد كان المشهد في نيويورك أكثر من مجرد صورة لتوقيع اتفاق. كان مشهدا تختصر فيه أزمة استقلال القرار المغربي أمام النفوذ الأميركي والإسرائيلي.
ومن الرباط إلى عواصم عربية أخرى، يجري تقديم التطبيع باعتباره قدرا سياسيا لا مفر منه، وتُفتح الأبواب تدريجيا، وتتحول العلاقات التي كانت مرفوضة بالأمس إلى سفارات واتفاقيات وشراكات اليوم. وفي كل مرة يُطلب من الشعوب أن تتعامل مع الأمر باعتباره «واقعية سياسية». كن أي واقعية تلك التي تجعل الدولة عاجزة عن قول «لا»؟
وأي سيادة تلك التي يصبح سقف قرارها مرهونا بما تقبله واشنطن وتل أبيب؟ وأي استقلال وطني يبقى حين تصبح الخارطة الخارجية مرسومة قبل أن يصل القرار إلى المؤسسات الوطنية والرأي العام؟
حين تفقد الدولة قرارها، يصغر وزيرها في الصورة مهما كان منصبه كبيرا. وحين تستعيد قرارها، تكبر الدولة حتى لو كانت محاطة بأقوى دول العالم. تلك هي المسألة التي يجب أن تُطرح اليوم، بعيدا عن كل الزخارف الدبلوماسية؛ فهل المغرب يصنع قراره أم أن القرار يُصنع له؟
