- عماد العتابي
هناك لحظات تختصر تاريخا كاملا من الفشل، ولا تحتاج إلى خطاب ملكي ولا لجان تحقيق ولا إلى تقارير خبراء ولا إلى آلاف الصفحات من الإحصاءات. لحظات تهدم في ثوانٍ ما تحاول الآلة الرسمية بناءه في سنوات.
طفل مغربي، لم يتجاوز العاشرة من عمره، يبكي أمام جندي إسباني، ويتوسل إليه ببراءة تقطع القلب: “نبوس ليك راسك… مترجعنيش للمغرب.”
قد يختلف الناس حول تفاصيل المشهد، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ لا يوجد طفل يولد وهو يحلم بأن يتوسل جنديا أجنبيا كي يبقى بعيدا عن وطنه. هذه ليست حالة طبيعية، ولا مشهدا عابرا، بل جرس إنذار يقرع بقوة في وجه دولة بأكملها.
هذا المشهد المؤلم جاء بعد أيام من خطاب الملك تحدث فيه عن الإنجازات الكبرى، وعن النجاحات، وعن الاستقرار، وعن المغرب الذي يسير في الطريق الصحيح. وكأن الحدود قررت أن تقدم رواية أخرى، أكثر صدقا وأقل تجميلا.
فالخطابات يمكن أن تُكتب داخل القصور، لكن الحقيقة تُكتب على الحدود.
الحقيقة يكتبها طفل يبكي خوفا من العودة.
ويكتبها شاب يرمي بنفسه في البحر لأنه لم يعد يرى في اليابسة أملًا.
وتكتبها أم تقبل المخاطرة بحياتها من أجل أن تمنح أبناءها فرصة أخرى خارج هذا الوطن.
الدول لا تُقاس بعدد الجسور التي بنتها، ولا بعدد الموانئ والقطارات فائقة السرعة، ولا بحجم الأبراج والمشاريع العملاقة والملاعب. الدول تُقاس بما يشعر به مواطنها وهو يستيقظ كل صباح. هل يشعر أن له مستقبلا؟ هل يشعر أن كرامته مصانة؟ هل يشعر أن هذا الوطن يتسع لأحلامه؟
عندما يتحول الوطن، في وعي عشرات آلاف الشباب، إلى محطة مؤقتة يجب الهروب منها، فإن الحديث عن الإنجازات يصبح ناقصا، لأن أي إنجاز يفقد معناه إذا كان الإنسان نفسه يبحث عن النجاة خارجه.
المشكلة ليست أن شبابا يهاجرون، فالهجرة ظاهرة عالمية. المشكلة أن أطفالا أصبحوا يحلمون بالهجرة قبل أن يحلموا بالمدرسة، وأنهم باتوا يرون في الضفة الأخرى خلاصا وفي وطنهم خوفا. تلك ليست أزمة حدود، بل أزمة ثقة بين الدولة ومواطنيها.
لقد اعتادت السلطة أن ترد على كل نقد بلغة الأرقام والمؤشرات، لكن ماذا ستقول أمام دموع طفل؟ كيف يمكن تبرير مشهد كهذا؟ بأي لغة يمكن إقناع الناس بأن كل شيء بخير، بينما يتوسل طفل جنديا أجنبيا ألا يعيده إلى بلده؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تُنتقد، بل أن يفقد أبناؤها الإيمان بها. فالدولة لا تعيش بالقوة وحدها، ولا بالمؤسسات وحدها، ولا بالأجهزة وحدها، بل تعيش عندما يشعر المواطن بأنها وطنه، وأن له فيها مكانا ومستقبلا وكرامة.
وحين يصل طفل إلى قناعة بأن مستقبله يبدأ لحظة خروجه من بلده، فإن المشكلة لم تعد مشكلة طفل، بل مشكلة وطن.
قد يستطيع الإعلام الرسمي أن يهاجم المعارضين، وقد تستطيع الدولة أن تكمم الأفواه، وقد تنجح حملات الدعاية في صناعة صورة براقة لبعض الوقت، لكن لا أحد يستطيع أن يمحو من ذاكرة الناس صورة طفل يبكي ويتوسل ألا يعود إلى وطنه.
هذه الصورة ستبقى.
ستبقى لأنها ليست مجرد لقطة إنسانية، بل مرآة تعكس واقعا مؤلما لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءه.
إن الوطن الذي يجعل أبناءه يتشبثون بأرضه حبّا هو وطن قوي، أما الوطن الذي يتشبث أبناؤه بأي فرصة للهروب منه، فذلك يستوجب وقفة صادقة ومراجعة عميقة للسياسات والاختيارات التي أوصلت قطاعات من المجتمع إلى هذا الشعور.
ذلك الطفل لم يكتب بيانا سياسيا، ولم يرفع شعارا، ولم ينخرط في حزب. لكنه بدموعه، طرح سؤالا قد يكون الأصعب؛ كيف وصلنا إلى مرحلة يخاف فيها طفل من العودة إلى وطنه؟
وهذا السؤال، مهما اختلفت المواقف السياسية، لا يمكن لأي مجتمع أن يتجاهله.
