- عماد العتابي
لم يكن أكثر ما هزّ المغاربة صورة فتاة خرجت من البحر، بل الابتسامة التي ارتسمت على وجهها وهي ترفع شارة النصر. لم تكن فرحة نجاة من الغرق، بل فرحة نجاة من واقع بدا لها أشد قسوة من أمواج البحر.
في تلك اللحظة، لم تكن الشابة العرايشية فرح تحتفل بالوصول إلى سبتة فقط، بل كانت تعلن من حيث تدري أو لا تدري، هزيمة وطن في الاحتفاظ بأحلام أبنائه.
أي وطن هذا الذي يصبح فيه الوصول إلى الضفة الأخرى إنجازا يستحق الاحتفال؟ وأي سياسات هذه التي تجعل شابة رياضية، يفترض أن تكون في ملعب أو قاعة تدريب أو مدرج جامعة أو فضاء عمل، تختار أن تدخل مباراة مع الموت لأن احتمال النجاة في البحر صار أكبر من احتمال النجاح على اليابسة (الوطن)؟
المأساة ليست أن شابة عبرت البحر. المأساة أن آلاف الشباب فهموا الرسالة نفسها قبلها، وسيأتي آلاف آخرون بعدها. الرسالة تقول إن الحلم لم يعد يُبنى في المغرب، بل يُطارد في أوروبا. وأن المستقبل لم يعد يُنتظر داخل الوطن، بل خلف الأسلاك والحدود والأمواج.
يخطئ من يعتقد أن هؤلاء يهربون من الفقر وحده. إنهم يهربون من الإحساس بالعجز ومن انسداد الأفق ومن شعور قاتل بأن الاجتهاد لم يعد طريقا للنجاح، وأن الكفاءة وحدها لا تكفي، وأن العمر يضيع في انتظار فرصة قد لا تأتي أبدا.
أوروبا ليست جنة، والجميع يعلم ذلك. فيها العنصرية والغربة وقسوة الحياة والعمل الشاق. لكن الجحيم الحقيقي، في نظر معظم المغاربة، ليس هناك… بل داخل الوطت، حين يتحول الحلم إلى تهمة والانتظار إلى أسلوب حياة، والمطالبة بالكرامة والحقوق تقود إلى السجن.
لهذا لم تكن شارة النصر التي رفعتها فرح موجهة إلى البحر، بل إلى اليأس الذي هزمته. لكنها، في الوقت نفسه، كانت صفعة مدوية لسياسات النظام السياسي التي عجزت عن إقناع شبابها بأن المستقبل يمكن أن يولد في وطنهم.
إن الدول لا تُقاس بعدد الجسور والطرق السيارة والأبراج وملاعب كرة القدم، بل بعدد أبنائها الذين يختارون البقاء فيها وهم قادرون على الرحيل. أما حين يتحول الرحيل إلى حلم جماعي، فذلك إعلان صريح بافلاس الدولة والوطن معا.
صورة فرح ليست قصة هجرة، إنها مرآة. مرآة تعكس وجها لا نريد أن نراه، لكنه موجود. وجه وطن يخسر أبناءه الواحد تلو الآخر، ليس لأنهم يكرهونه، بل لأنهم لم يعودوا يجدون فيه مكانا يليق بأحلامهم.
وحين تصبح شارة النصر تُرفع بعد عبور البحر، لا فوق منصات التتويج أو ميادين النضال والمطالبة بالحقوق، فاعلم أن الوطن لم يخسر سباقا عابرا، بل يخسر أهم سباق على الإطلاق.. سباق الاحتفاظ بأبنائه.
