- عماد العتابي
في المغرب، هناك انتخابات تُفرز شبه حكومات وانتخابات تُفرز شبه معارضات، وانتخابات تُفرز في لحظة عبثية، صاكا. ولعل هذه هي الإضافة المغربية الخالصة إلى علم السياسة المقارن، فبدل أن يكون الصندوق هو بطل الحكاية، صار الصاك ينافسه على البطولة. وبدل أن ينتهي العرس الانتخابي المخزني بإعلان النتائج التي ستعطينا حكومة “صاحب الجلالة”، وجدنا أنفسنا أمام حقيبة من الأوراق الانتخابية وتحقيق قضائي وخمسة موقوفين، ثم اسم عمدة طنجة منير ليموري في قلب الفضيحة، مع تداول خبر صدور مذكرة بحث في حقه، بينما تقول رواية أخرى إن وجوده خارج المغرب كان بسبب سفر مبرمج.
خرجت علينا «حكومة مول الصاك» قبل أن تولد الحكومة. فقد كان يفترض أن يكون اليوم التالي للانتخابات مخصصا لقراءة النتائج، وحساب المقاعد، وفتح دفاتر التحالفات والحديث عن أسماء الوزراء والحقائب الوزارية. غير أن الصاك قرر أن يقتحم المشهد من الباب الواسع، وأن يزاحم كل تلك الحسابات.
والطريف في الأمر أن الانتخابات المغربية أنفقت طوال أسابيع الحملة الانتخابية جهدا هائلا وأموال طائلة لإقناع المواطن المغربي بأن المعركة تدور حول البرامج والمستقبل والقدرة على تدبير البلاد. كانت الخطب تتحدث عن الإصلاح والوعود تتحدث عن تحسين المعيشة، والمرشحون يتنافسون على إقناع الناخب بأنهم يملكون مفاتيح المرحلة المقبلة ومفاتيح الجنة.
وقبل أن تغلق مكاتب التصويت أبوابها، كان المواطن ينتظر أن يسمع عن النتائج، فإذا به يسمع عن صاك. يا لها من نهاية شاعرية لموسم انتخابي كامل، كان يفترض أن تكون الورقة داخل الصندوق، فإذا بها في الحقيبة؛ وكان يفترض أن يكون الصندوق هو الذي يحمل سر الانتخابات، فإذا بالصاك يسرق منه الأضواء.
ولم يحتج الصاك حتى يصبح حديث البلاد، إلى برنامج انتخابي أو مهرجان خطابي أو ملصقات في الشوارع. لم يحتج إلى آلاف الأصوات ولا إلى ماكينة حزبية ولا إلى وعود انتخابية. احتاج فقط إلى أوراق حتى يصبح فجأة أكثر شهرة من كل المرشحين. وفي المقابل، كانت الأحزاب تعدّ أصواتها ومقاعدها، وتتحدث عن الانتصار والثقة الشعبية والاستحقاق “الديمقراطي؛ بأرقام كبيرة وخطب أكبر واحتفالات أكبر من الأرقام نفسها. ثم جاء صاك صغير ليقول للجميع؛ لحظة واحدة؟ قبل أن تحتفلوا، دعوا “الصاك” يشرح لنا ماذا حدث.
لقد أصبحت طنجة أكثر من مجرد مكان وقعت فيه الواقعة. فهي المدينة التي أراد لها النظام أن تكون واجهة للمستقبل وبوابة أوروبا، فإذا بها تجد نفسها في اليوم التالي للاقتراع، أمام سؤال يتعلق بجوهر الماضي والحاضر معا، فماذا حدث في العملية الانتخابية؟ طنجة ليست مجرد مدينة اقتصادية كبرى، بل هي أيضا ساحة انتخابية تاريخية، يعرف السياسيون جيدا أن معاركها لا تنتهي دائما عند حدود صناديق الاقتراع.
وهذه هي المفارقة التي تجعل القصة ساخرة بقدر ما هي محرجة. ففي يوم كان الحديث عن قيادة الحكومة، وفي اليوم التالي أصبح الحديث عن قيادة التحقيق. في يوم كانت الخطب تشرح للناس البرامج الانتخابية، وفي اليوم التالي أصبح البحث القضائي هو البرنامج الأكثر متابعة. وفي يوم كانت طنجة جزءا من حملة تستعرض المستقبل، وفي اليوم التالي أصبحت جزءا من قصة صاك تستدعي الماضي والحاضر معا.
السياسة في النهاية، لا تكتفي بصناعة المفارقات؛ إنها أحياناً تسلمك المفارقة جاهزة ومغلّفة.
سيظل الصاك الطنجي، مهما انتهت إليه القضية قضائيا، واحدا من أكثر رموز هذه الانتخابات إثارة للسخرية. ليس لأنه شكل الحكومة، وليس لأنه يثبت وحده وقوع تزوير، فهذا أمر لا يقرره العمود الصحفي ولا مواقع التواصل، وإنما لأن صاكا واحدا استطاع أن يفسد كل عمليات التجميل التي أُجريت على وجه المشهد الانتخابي، وأن يترك على الصورة اللامعة التي قُدّمت للرأي العام خدشا يصعب تجاهله.
في المحصلة، لم يكن الصاك مجرد حقيبة بها أوراق التصويت؛ لقد هزّ الصورة التي جرى بناؤها بعناية حول الانتخابات، وأعاد إلى الواجهة السؤال الذي تحاول كل انتخابات أن تتجاوزه، فهل يكفي كل هذا الترتيب الرسمي والسياسي لمنح النتائج شرعية حقيقية، أم أن صاكا واحدا كان كافيا لزعزعة كل البناء؟
