تقرير – الضاحية
هناك اغتيالات تُنهي حياة رجل، وهناك استشهادات تتحول إلى بداية جديدة في حياة فكرة. وفي كربلاء، لم يكن استشهاد الإمام الحسين عليه السلام نهايةً للحسين، بل بدايةً لزمن طويل مستمر من المقاومة والرفض والثورة. وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد قرون، وجد أنصار المقاومة أنفسهم أمام مشهد يستحضرونه من كربلاء. قائد يُستهدف لأنه اختار طريق المواجهة والمقاومة، ويسقط شهيدا فيما يبقى الطريق مفتوحا أمام من يحملون نهجه.
بعد عامين على اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، لا يستعيد أنصاره يوم السابع والعشرين من سبتمبر 2024 بوصفه يوم سقوط قائد فحسب، بل بوصفه يوما جديدا في سجل الشهادة الذي يرون جذوره ممتدة من عاشوراء.
كربلاء التي لا تنتهي
في الوعي الشيعي، لم تكن عاشوراء حادثة تاريخية انتهت بانتهاء المعركة في كربلاء.
كانت مدرسة في معنى التضحية، وموقفا من الظلم، وفكرةً تقول إن قيمة الإنسان لا تُقاس بقدرته على النجاة، بل أحيانا بقدرته على الثبات حين تصبح كلفة الموقف هي حياته. ومن هذه الزاوية، يستحضر أنصار المقاومة صورة الإمام الحسين كلما واجهوا فقدان قائد أو مقاتل أو شهيد.
الحسين استشهد، لكن ثورته لم تستشهد معه.
قُتل الرجال من حوله، وسُبيت العائلة، وسقطت الأجساد في كربلاء، لكن الرواية التي بقيت بعد ذلك لم تكن رواية المنتصر بالسيف، بل رواية الدم الذي تحول إلى ذاكرة، والذاكرة التي تحولت إلى موقف ونصر، والموقف الذي عبر الأجيال. وهنا تحديدا يضع أنصار نصرالله استشهاده في سياقهم الخاص.
من كربلاء إلى الضاحية
في السابع والعشرين من سبتمبر، هوت القنابل على الضاحية الجنوبية. وبحسب روايات ظهرت لاحقا، استخدمت “إسرائيل” عشرات القنابل في استهداف الموقع الذي كان فيه نصرالله، وتحدثت عن 83 قنبلة وتدمير ستة مبانٍ.
أرادوا إسقاط السيد.. فماذا بقي؟
83 قنبلة يمكنها أن تهدم مباني. يمكنها أن تفتح حفرة في الأرض. يمكنها أن تقتل رجلا. لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد ما الذي سيبقى في الذاكرة. وهذه هي النقطة التي يركز عليها أنصار نصرالله بعد عامين.
فالاغتيال نجح في إزالة القائد من المشهد، لكنه لم يمحُ سنوات قيادته، ولم يمحُ الصور والخطب والمواقف، ولم يمحُ التجربة التي تشكلت حوله.
وهنا تعود كربلاء مرة أخرى. فلو كان قتل الإمام الحسين قد أنهى القضية التي خرج من أجلها، لما بقيت عاشوراء حاضرة بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
وبالمعنى الذي يراه أنصار المقاومة، فإن اغتيال السيد لم يكن إغلاقا للباب، بل انتقالا من مرحلة القائد الحاضر إلى مرحلة القائد الشهيد.
الحسين استشهد.. فاستمرت الثورة
ليست المقارنة هنا بين رجلين في المقام أو التاريخ؛ فالحسين عليه السلام يحتل مقاما دينيا وتاريخيا فريدا في الوجدان الشيعي المقاوم.
لكن المقارنة التي يطرحها أنصار المقاومة تتعلق بفكرة واحدة، استهداف القائد لا يعني بالضرورة موت النهج الذي مثله. ففي كربلاء ظنّ قاتلو الحسين أن المعركة انتهت بسقوطه.
لكن كربلاء بدأت بعد ذلك تتحول إلى ذاكرة وثقافة ووجدان. وفي الضاحية، أرادت إسرائيل أن تجعل من اغتيال نصرالله ضربةً تقطع الطريق على المرحلة التي قادها. لكن أنصاره قرأوا المشهد بصورة أخرى، فالسيد لم يعد موجودا ليقود. لكنه ترك وراءه عشرات الآلاف من المقاتلين المؤمنين وجيلا يعرف خطبه ويحفظ كلماته، ويرى نفسه امتدادا لنهج السيد والمقاومة.
كان نصرالله، بالنسبة إلى أنصاره وشعبه ومحبيه، أكثر من أمين عام. كان عنوانا لمرحلة بدأت مع مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، ومرت بمحطات كبرى، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 وحرب عام 2006، ثم اتسعت إلى موقع إقليمي أكثر تعقيدا. ولهذا فإن رحيله ترك فراغا سياسيا وعسكريا ووجدانيًا كبيرا. لكن الشهادة، في الوعي الذي ينتمي إليه، هي انتصار بحد ذاتها.
عامان على الغياب
بعد عامين، لا يزال مشهد الضاحية حاضرا والركام تغيّر والأيام مضت. لكن صورة السيد بقيت، في المجالس، تُستعاد كلماته. وفي المناسبات، تُرفع صوره.
وفي ذاكرة جمهوره وبيئته، يُستعاد يوم عروجه لا باعتباره يوم نهاية، بل باعتباره يوما انضم فيه إلى سلسلة الشهداء الذين يرون أن دمهم صار جزءا من هوية المقاومة. وهنا تتقاطع كربلاء مع الضاحية في الذاكرة، لا في المقام.
الحسين مضى شهيدا، فبقيت عاشوراء. والسيد مضى شهيدا، في نظر أنصاره، فبقيت كلماته وغرسه.
عامان مرّا على اغتيال السيد، وما زالت الضاحية والعالم الحر يحفظان صدى صوته، وما زالت عاشوراء تفسّر معنى الغياب. فكما لم تكن كربلاء نهاية الحسين، لم يكن اغتيال السيد نهاية الطريق. أرادوا إسكات الصوت، فإذا بالصمت يتحول إلى ذاكرة؛ وأرادوا إسقاط القائد، فإذا بالراية التي حملها تتحول إلى أمانة في أعناق من بقوا.
من الحسين إلى السيد، ليست الحكاية حكاية موتٍ يتكرر بل حكاية نهج يرفض أن يموت. حكاية رجال رحلوا، وبقيت كلماتهم شاهدة على طريق آمنوا به حتى اللحظة الأخيرة. ولهذا لا تُستعاد ذكرى السيد بوصفها ذكرى غائب، بل بوصفها حضورا يزداد رسوخا كلما مرّ الزمن.
لقد سقط السيد شهيدا، لكن الذين أحبوه لا يرون في سقوطه إسدالا للستار؛ يرونه امتدادا لعاشوراء، ووصلا بين كربلاء الأمس ومقاومة اليوم. فكربلاء لم تنتهِ حين سقط الحسين، ولن تنتهي الحكاية حين يغيب السيد.
وهنا تكمن الحقيقة التي لا تمحوها إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد يُغتال القائد، وقد يُغيّب الجسد، لكن النهج الذي يتحول إلى عقيدة وذاكرة وإيمان لا يُغتال. ومن كربلاء إلى الضاحية، تبقى الرسالة واحدة في وجدان أصحابها؛ أن الشهادة ليست خاتمة الطريق، وأن الدم الذي يُبذل من أجل القضية قد يغيب صاحبه، لكنه يترك خلفه أجيالا تحمل الرواية وتواصل الطريق.
عامان على غياب السي. وعاشوراء تقول.. غاب الرجل، وبقي النهج؛ سكت الصوت، وبقيت الكلمة؛ رحل الشهيد، وبقيت الحكاية والمقاومة.
