- عماد العتابي
في كل مرة تقع جريمة يكون أول ما يجب أن نفكر فيه هو الضحية، لا الجاني. لكننا وللأسف، أصبحنا نعيش زمنا تُسلب فيه الضحية حقها مرتين؛ مرة عندما تتعرض للاعتداء، ومرة أخرى عندما تتحول قصتها إلى مادة للتداول، ويصبح وجهها وصوتها وخصوصيتها، متاحة أمام آلاف، بل ملايين الأشخاص.
في القضية التي هزت مدينة إمزورن والرأي العام، لم يكن أكثر ما صدمني هو حجم الجريمة، فالجريمة ستأخذ طريقها إلى القضاء، وسيحاسب مرتكبها وفق القانون. ما صدمني حقا هو أن طفلا، لم يختر أن يكون طرفا في هذه المأساة، وجد نفسه فجأة أمام عدسات الهواتف وشاشات التواصل الاجتماعي، بعدما انتشر فيديو يوثق واحدة من أسوأ اللحظات التي يمكن أن يعيشها إنسان، فكيف إذا كان طفلا؟
ذلك الطفل سيكبر يوما. سيعود إلى مقاعد المدرسة ثم الجامعة وسيبحث عن عمل، وسيبني حياته. لكن ماذا لو ظل ذلك الفيديو يطارده؟ ماذا لو أصبح كل من يحمل هاتفا قادرا على إعادة فتح جرحه في أي لحظة؟ ماذا لو اضطر، كلما حاول أن يبدأ حياة جديدة إلى مواجهة ماضٍ لم يصنعه، بل فُرض عليه بالقوة؟
الأطفال ليسوا أخبارا، الأطفال ليسوا محتوى رقميا. الأطفال ليسوا وسيلة لجلب المشاهدات أو التفاعل أو السبق الصحفي.
إن نشر صور الأطفال أو مقاطعهم في مثل هذه القضايا، حتى عندما تكون النية فضح الجريمة، قد يتحول إلى شكل آخر من أشكال الإيذاء والجريمة. فالطفل يحتاج إلى الحماية، لا إلى الشهرة القسرية. ويحتاج إلى أن ينسى، لا إلى أن يظل العالم يذكره كل يوم بما تعرض له.
لهذا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الإعلام وحده، بل تمتد إلى كل من يضغط زر “مشاركة”. فكل إعادة نشر وكل تداول وكل تعليق يساهم، من حيث يدري أو لا يدري في إطالة عمر الصدمة النفسية للضحية.
لقد وضعت القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية حماية الأطفال في صدارة الأولويات، ليس فقط بحمايتهم من الاعتداء، بل أيضا بحماية هويتهم وكرامتهم وحقهم في حياة طبيعية بعد انتهاء المحنة. وهذا الحق لا يقل أهمية عن حقهم في العدالة.
أما نحن كصحافيين، فلدينا مسؤولية مضاعفة. فوظيفتنا ليست فقط نقل الخبر، بل حماية الإنسان الذي يقف خلفه. ويمكن للرأي العام أن يعرف تفاصيل القضية، وأن يتابع مجريات التحقيق، وأن يطالب بإنزال أقصى العقوبات على الجناة، دون أن يُكشف وجه طفل أو يُنشر مقطع يمس كرامته أو يطارده طوال حياته.
وأنا أكتب هذه السطور، لا أرى في ذلك الطفل ضحية قضية جنائية فقط، بل أراه ابنا وأخا لكل واحد منا. طفلا كان من المفترض أن ينشغل بألعابه، وأحلامه الصغيرة، ودروسه، لا بأن يحمل جرحا قد يرافقه سنوات طويلة إذا لم نحسن جميعاً التعامل مع ما حدث.
لهذا، فإن تضامني الكامل اليوم ليس مجرد موقف مع طفل تعرض لاعتداء، بل هو دفاع عن حق كل طفل في أن تُصان طفولته حتى بعد وقوع المأساة. فالعدالة لا تكتمل بإدانة الجاني فقط، وإنما تكتمل أيضا حين نحمي الضحية من أعين الفضوليين، ومن ذاكرة الإنترنت التي لا تنسى.
دعونا نترك لهذا الطفل فرصة أن يكبر دون أن يعرفه الناس من خلال فيديو مؤلم. دعونا نمنحه حقه في النسيان وحقه في العلاج، وحقه في أن يستعيد حياته بعيدا عن الشاشات.
