- عماد العتابي
لم تعد أحداث سبتة مجرد أزمة مرتبطة بالهجرة أو بتدفقات بشرية عابرة للحدود، بل تحولت إلى مرآة تعكس تعقيدات أكبر وأوسع تتداخل فيها السياسة الخارجية والتوترات الإقليمية وحسابات القوى الكبرى.
فحين تشهد مدينة حدودية بحجم سبتة موجات غير مسبوقة من العبور إليها، يطرح السؤال نفسه بإلحاح؛ هل نحن أمام أزمة اجتماعية وإنسانية فقط، أم أن هناك سياقات سياسية أوسع تحيط بهذا المشهد؟
في الأسابيع والأشهر الماضية، ارتفعت حدة التوتر بين مدريد وعدد من الدول بسبب مواقف الحكومة الإسبانية، برئاسة بيدرو سانشيز، من الحرب على غزة، واعترافها بالدولة الفلسطينية، وانتقاداتها للسياسات الإسرائيلية. كما لم تخف شخصيات إسرائيلية وأمريكية امتعاضها من هذه المواقف، وصدرت تصريحات تحمل رسائل تهديد سياسية حادة تجاه مدريد.
وقبل أسابيع فقط، خرج دونالد ترمب برسائل قاسية تجاه إسبانيا، ملوحا بأن مدريد ستدرك قريبا ثمن مواقفها، منتقدا سياساتها داخل حلف الناتو ومواقفها الدولية. وقبلها بأيام، لم يكن بنيامين نتنياهو أقل وضوحا عندما وجه رسائل تهديد إلى الحكومة الإسبانية بسبب موقفها من الحرب على غزة واعترافها بالدولة الفلسطينية.
بين هذه الرسائل المتبادلة، جاءت أزمة سبتة؛ فهل أصبحت ملفات الهجرة والأمن الحدودي أدوات ضغط في صراعات أكبر من المنطقة؟ وهل تحولت الجغرافيا إلى سلاح سياسي جديد؟
لكن السؤال الأخطر الذي يجب أن يُطرح داخل المغرب هو هل أصبح القرار الوطني محصنا بما يكفي أمام هذه التحولات؟ وهل اختيارات السياسة الخارجية التي فتحت أبوابا واسعة أمام “إسرائيل” وأمريكا جاءت دائما من موقع قوة، أم أنها حملت معها مخاطر فقدان هامش المناورة؟
المغاربة اليوم من حقهم أن يسألوا من يدير هذه الملفات؟ ومن يضمن ألا تتحول بلادهم إلى ساحة لتصفية حسابات بين قوى كبرى؟ ومن يتحمل مسؤولية أي خطأ في الحسابات عندما تكون العواقب مرتبطة بأمن الوطن ومستقبل أبنائه؟
إن درس سبتة ليس فقط في الهجرة، بل في السياسة. فالدول التي تفرط في استقلال قرارها تدفع الثمن عاجلا أم آجلا. والتحالفات التي لا تقوم على الندية قد تتحول من مصدر قوة إلى مصدر ضعف واختراق وفقدان القرار الوطني.
ما يحدث في سبتة يؤكد أن الأزمة خرجت من يد من ظنوا أنهم قادرون على توظيفها كورقة ضغط سياسية. فحين تلعب الدول بالنار، لا أحد يضمن أين ستتوقف ألسنة اللهب.
وما يثير القلق ليس فقط ما جرى على الحدود، بل ما يكشفه من هشاشة القرار الوطني وارتهانه للإسرائيلي والأمريكي قد تجر البلاد إلى صراعات ليست في مصلحة المغاربة. فالدولة فقدت استقلال قرارها، وتفقد تدريجيا قدرتها على حماية أمنها ومصالح شعبها.
أيها المغاربة، استفيقوا قبل فوات الأوان. فالأزمات لا تصنعها الشعوب، بل تصنعها الحسابات الخاطئة، وعندما تنقلب هذه الحسابات على أصحابها، يكون المواطن هو أول من يدفع الثمن. والمؤسسات التي تعجز عن حماية الوطن ومستقبل أبنائه تتحول إلى هياكل بلا روح تابعة لمن يملي عليها ما تفعله من خارج الوطن.
