- عماد العتابي
لم تعد الأزمة المالية في الرأسمالية المعاصرة مجرد أزمة بنوك تقليدية، ولا مجرد نتيجة لاختلالات في إدارة القروض أو ضعف الرقابة. إنها أزمة نظام اقتصادي أصبح فيه تراكم الثروة أكثر ارتباطا بالأسواق المالية وبحركة الأموال العابرة للحدود، وبالمؤسسات التي تتحكم في التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية النقدية.
وفي هذا السياق، تطرح أزمة Ueno Bank في باراغواي سؤالا يتجاوز حدود المؤسسة المصرفية نفسها؛ فهل نحن أمام تعثر مالي محلي، أم أمام أحد مظاهر التناقضات التي تنتجها الرأسمالية المالية في مرحلة توسعها الرقمي؟
وتكمن إحدى أكثر زوايا الأزمة حساسية في حجم انكشاف استثمارات صندوق الضمان الاجتماعي على البنك IPS. فهذه الأموال ليست رأسمالا استثماريا عاديا، بل اشتراكات العمال وأصحاب العمل المخصصة لتمويل التقاعد والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية. ووفقا لبيانات نشرتها وسائل إعلام باراغوايانية، ارتفعت حصة Ueno من استثمارات المؤسسة بالعملة المحلية من نحو 1% عام 2023 إلى قرابة 20% عام 2025. كما أفادت تقارير رقابية بأن نحو 70% من محفظة استثمارات IPS تركز في أربعة مصارف فقط.
من وجهة نظر الاقتصاد السياسي، لا يتعلق الأمر هنا بمجرد قرار استثماري لم يكن موفقا؛ بل بتحويل جزء من الأجر الاجتماعي المؤجل للطبقة العاملة إلى مورد تستخدمه المؤسسات المالية في توسيع أعمالها وتحقيق العائد. فالعامل الذي يقتطع جزءا من دخله طوال سنوات لتأمين تقاعده يجد أن مدخراته أصبحت مرتبطة بمخاطر مؤسسة مصرفية خاصة، بينما لا يملك سلطة فعلية على القرارات التي تحدد مصيرها.
وقد حذّر ممثلو العمال والمضمونين في IPS قبل تفجر الأزمة، من تركيز الأموال في Ueno وطالبوا بسحبها، معتبرين أن إدارة أموال التقاعد بهذه الطريقة تعرض حقوق المشتركين للخطر. كما دعت منظمات نقابية واجتماعية إلى التحقيق في القرارات التي سمحت بهذا التوسع في توظيف الأموال لدى البنك.
في قراءة نشرها موقع Portal Alba، جرى تناول أزمة Ueno من خلال مفاهيم ماركس حول تراكم رأس المال، مع التركيز على تنامي نفوذ رأس المال المالي والمضاربي في الاقتصاد الباراغواياني. أما تحليل الحزب الشيوعي البرازيلي فاعتبر توسع البنك مثالا على تمركز رأس المال النقدي، حيث جرى جمع الودائع والأموال العامة والموارد المرتبطة بمؤسسات أخرى تحت إدارة مصرفية واحدة.
وتسمح هذه المقاربة بفهم التناقض الأساسي في نموذج التوسع المالي؛ فالمؤسسة الخاصة تسعى إلى زيادة حصتها في السوق وتوسيع قاعدة عملائها وتعظيم عوائدها، لكنها قد تعتمد في الوقت نفسه على تدفقات ضخمة من الأموال العامة والمؤسسية. وعندما تتركز الموارد والمخاطر في مؤسسة واحدة، يصبح أي خلل في ميزانيتها تهديدا يتجاوز المساهمين والإدارة، ليطال المودعين والمؤسسات الاجتماعية والاقتصاد المحلي.
هنا تظهر المسألة الطبقية بوضوح؛ فمن يملك قرار توجيه الأموال ومن يستفيد من عوائدها؟ ومن يتحمل الخسائر عندما يفشل الاستثمار؟ ففي كثير من الأزمات المالية، تكون الأرباح خلال مرحلة التوسع خاصة ومركزة، بينما تصبح كلفة الإنقاذ أو حماية المودعين أو معالجة التداعيات مسؤولية عامة. ولا يعني ذلك أن كل خسارة مصرفية تتحول تلقائيا إلى خسارة على دافعي الضرائب، لكنه يضع توزيع المخاطر والمنافع في قلب النقاش حول الأزمة.
تكتسب الأزمة بعدا سياسيا إضافيا بسبب العلاقات السابقة بين شخصيات في السلطة ومجموعة فاسكيز المرتبطة بالبنك. وقد أثارت هذه العلاقات تساؤلات حول تضارب المصالح واستقلال الرقابة المصرفية، خصوصا أن الرئيس سانتياغو بينيا أعلن أنه باع حصته في المجموعة في مارس 2025، بينما كان رئيس البنك المركزي قد تولى سابقا منصبا قياديا فيها. وقد استقال بينيا في 5 نوفمبر 2026 تحت ضغط الأزمة.
وتتصل هذه الوقائع بنقاش أوسع حول طبيعة الدولة في الاقتصادات التي تتمتع فيها النخب الاقتصادية بنفوذ كبير على السياسات العامة. فالدولة ليست دائما حكما محايدا يقف على مسافة واحدة من جميع المصالح؛ إذ يمكن أن تتأثر قراراتها بتوازنات القوة الاقتصادية، وبقدرة المجموعات الكبرى على الوصول إلى مراكز القرار والتأثير في قواعد السوق والرقابة والاستثمار.
وتعزز دراسة الباحثة الاقتصادية فيرونيكا سيرافيني حول الضمان الاجتماعي في باراغواي هذا النقاش، إذ تربط هشاشة نظام الحماية الاجتماعية بنفوذ النخب الاقتصادية الريعية وضعف المؤسسات العامة، وبمحدودية الحوافز لدى القطاعات المهيمنة لتعزيز نظام اجتماعي أكثر شمولاً وإعادة توزيع للثروة.
لا تثبت أزمة Ueno وحدها أن النظام المصرفي الباراغواياني بأكمله يواجه انهيارا؛ فالتعثر الذي أعلنه البنك المركزي يخص المؤسسة، ولا يكفي وحده للحكم على سلامة جميع المصارف. لكن الأزمة تكشف خطورة نموذج يسمح بتركيز أموال اجتماعية ضخمة في عدد محدود من المؤسسات، ويثير أسئلة حول شفافية قرارات الاستثمار، والرقابة على الإقراض للشركات المرتبطة بالمجموعات المالكة، وحدود العلاقة بين رأس المال والسلطة.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز القضية باراغواي إلى سؤال مألوف في الاقتصادات الرأسمالية التابعة؛ حول ما إذا كانت تُوجّه المؤسسات المالية الموارد نحو أولويات التنمية والحاجات الاجتماعية، أم تصبح التنمية نفسها خاضعة لمتطلبات التوسع والربحية وتمركز رأس المال؟ فحين تتحول صناديق التقاعد إلى مصادر تمويل للمصارف الخاصة، لا يعود الخلاف تقنياً حول سعر الفائدة أو جودة المحفظة، بل يصبح خلافاً حول ملكية الموارد الاجتماعية والجهة التي تقرر كيفية استخدامها.
إن أزمة Ueno ليست مجرد حكاية بنك أخفق في إدارة أمواله، بل مرآة لتناقض أعمق في الرأسمالية المالية، حيث نظامٌ تُترك فيه الثروة لتتركز في أيدي قلة وتُمنح فيه المؤسسات الخاصة مساحة واسعة لاستخدام الموارد الاجتماعية في توسيع نفوذها، بينما تُدفع كلفة المخاطر في نهاية المطاف إلى المجتمع. وفي باراغواي، لم تكن الأموال المعرضة للخطر أرقاما في دفاتر مصرفية، بل مدخرات عمال اقتُطعت من أجورهم لعشرات السنين لتكون ضمانا لشيخوختهم وكرامتهم.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الأزمة ليس كيف سقط Ueno، بل كيف وصل إلى هذه الدرجة من النفوذ ومن سمح بتركيز هذه الأموال لديه، ولصالح من جرى توظيفها؟ إن أي تسوية لا تكشف مسار الأموال ولا تحاسب المسؤولين، ولا تعيد إخضاع المؤسسات المالية لرقابة مستقلة وفعالة، ستبقى معالجة لنتائج الأزمة لا لأسبابها. فحين تُخصخص الأرباح وتُعمّم المخاطر، لا يكون الخلل في بنك واحد فحسب بل في نموذج اقتصادي يجعل الشعب ممولا لتراكم رأس المال، ثم يطالبه بتحمل فاتورة إخفاقاته. وهنا تكمن القضية الطبقية الحقيقية.
