تقرير – الدار البيضاء
ليست المأساة في أن عاملة فارقت الحياة داخل مكان عملها فحسب، بل في التفاصيل التي رواها زوجها عن ظروف اشتغالها واللحظات التي سبقت وفاتها وما أعقبها. تفاصيل تكشف عن وجه قاتم من واقع الشغل في المغرب، حيث قد يجد العامل نفسه مطالبا بتقديم جهده ووقته لسنوات، دون أن يحظى حتى بالضمانات الأساسية التي يفترض أن تصون حقوقه وتحميه في لحظات الخطر.
القضية تتعلق بعاملة من جنسية إيفوارية كانت تشتغل داخل شركة صينية بضواحي الدار البيضاء لأكثر من خمس سنوات، وفق تصريحات زوجها الذي أفاد بأنها كانت تزاول عملها دون وثائق شغل نظامية أو تغطية تأمينية. غير أن هذه السنوات من العمل انتهت بشكل مأساوي، بعدما تعرضت الراحلة لأزمة صحية مفاجئة داخل المصنع، فارقت على إثرها الحياة.
الأكثر إثارة للصدمة في رواية الزوج ليس فقط الحديث عن غياب الحماية الاجتماعية، وإنما ما قاله بشأن طريقة التعامل مع زوجته لحظة تعرضها للأزمة الصحية. فقد تحدث عن عدم تقديم الإسعافات اللازمة لها، قبل إخراج جثمانها إلى خارج المصنع ووضعه فوق قطعة من الورق المقوى، في مشهد يطرح أسئلة ثقيلة حول التعامل مع حالة إنسانية طارئة داخل فضاء يفترض أن تتوفر فيه شروط السلامة والتدخل الاستعجالي.
إنها تفاصيل تتجاوز حدود حادثة شغل عادية، وتضع طبيعة العلاقة بين المشغل والأجير أمام اختبار حقيقي. فكيف يمكن لعاملة أن تقضي أكثر من خمس سنوات داخل مؤسسة صناعية دون أن تكون وضعيتها المهنية والاجتماعية واضحة ومحمية؟ وما طبيعة الإجراءات التي اتخذتها إدارة المصنع عندما تعرضت لوعكة صحية خطيرة؟ وهل جرى التعامل مع حالتها وفق ما تفرضه قواعد السلامة والواجب الإنساني؟
وتزداد خطورة هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بالعمال المهاجرين، الذين قد يجد بعضهم نفسه في وضعية هشاشة تجعله أقل قدرة على المطالبة بحقوقه أو مواجهة شروط تشغيل غير منصفة. فالحاجة إلى العمل لا تعني القبول بالتخلي عن الكرامة، كما أن اختلاف الجنسية أو الوضعية الإدارية لا يسقط عن المشغل مسؤولية احترام القانون وصون سلامة الأجراء.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه أسرة الضحية معرفة حقيقة ما جرى، فإن القضية تضع أيضا مسؤولية الدولة وواقع المراقبة داخل الوحدات الصناعية موضع تساؤل، خصوصا فيما يتعلق بالتصريح بالعمال والتغطية الاجتماعية، وشروط الصحة والسلامة المهنية. فالمصنع ليس فضاءً معزولا عن القانون والاستثمار الأجنبي لا يمنح أي مؤسسة امتيازا خارج الالتزامات التي يخضع لها جميع المشغلين فوق التراب المغربي.
ما حدث وفق الرواية المتداولة، يعيد طرح سؤال لا ينبغي أن يغيب عن النقاش العمومي حول ما إذا أصبح بعض العمال مطالبين بإثبات قدرتهم على الإنتاج أكثر من ضمان حقهم في الحماية؟ وهل يمكن أن تتحول سنوات من العمل إلى مجرد أرقام في حسابات مؤسسة دون أن تقابلها ضمانات تحفظ للإنسان حياته وكرامته؟
لقد ذهبت عاملة إيفوارية إلى عملها، لكنها لم تعد إلى بيتها. وخلف هذه النهاية المأساوية زوج يروي تفاصيل الفقد وأسئلة معلقة حول ظروف الوفاة، وواقع مهني لا يجوز أن تبقى اختلالاته الخطيرة طي الصمت.
فلا قيمة لأي إنتاج إذا كانت كلفة تحقيقه هي حياة الإنسان ولا معنى للاستثمار إذا لم يكن احترام العامل جزءا من شروطه الأساسية.
