تقرير – دمشق
لم يعد ما يجري في سوريا مجرد تغيير في السلطة، بل باتت ملامح مشروع خطير لإعادة تشكيل الدولة السورية، وتفكيك مركزها السيادي، وتهيئة الظروف أمام إسرائيل لفرض واقع جديد على دمشق.
فبعد إسقاط الدولة السورية المُقاومة التي واجهت المشروع الإسرائيلي لعقود، يأتي الحديث عن استعدادات محمد الجولاني لنقل الوزارات والمؤسسات الحيوية من العاصمة إلى مدن سورية أخرى، في خطوة تتزامن مع التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ومع تصاعد الضغوط الأميركية والتركية على السلطة الجديدة.
وبحسب ما نشرته صحيفة «Türkiye Gazetesi» التركية، فإن التحضيرات تشمل نقل ثلاث وزارات على الأقل إلى حلب، ووزارة الدفاع إلى حماة، إلى جانب بحث نقل المصرف المركزي ومؤسسات النفط والزراعة والمياه والاقتصاد إلى الرقة ودير الزور وإدلب والحسكة.
ونقل هذه المؤسسات في ظل التوسع الإسرائيلي ليس تفصيلا إداريا، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية خطيرة.
فهل يجري إخلاء دمشق من مؤسساتها السيادية تمهيدا لتلسم العاصمة لـ نتنياهو دون مقاومة تذكر، بينما ينتقل مركز القرار إلى مناطق أصبحت مرتبطة بالنفوذ التركي؟
الوقائع المتداولة تفتح الباب أمام هذا السؤال، وتضع السلطة الجديدة أمام مسؤولية الإجابة عن حقيقة ما يجري.
إسرائيل لم تنتظر سقوط الدولة السورية حتى تبدأ بتوسيع نفوذها. فبعد إسقاط الدولة السورية، تجاوزت القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة في الجولان وتوغلت داخل الأراضي السورية، وواصلت عملياتها العسكرية في الجنوب.
وبذلك أصبح الاحتلال الإسرائيلي واقعا متجددا على الأرض السورية، في وقت لم تقدم فيه سلطة أمر الواقع الجديدة ضمانات واضحة لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط الدولة.
أما الحديث عن نقل المؤسسات السيادية من دمشق يأتي في توقيت بالغ الخطورة. فالعاصمة التي كانت مركز القرار السياسي والعسكري للدولة السورية، تواجه اليوم احتمالات إعادة توزيع مؤسساتها بعيدا عنها، بينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة.
وهنا تتضح خطورة المرحلة حيث أن إسرائيل تتقدم داخل الأراضي السورية، ومؤسسات الدولة يجري الحديث عن نقلها إلى مناطق أخرى، فيما يبقى مستقبل دمشق مفتوحا على ترتيبات لا يعرف السوريون تفاصيلها.
إن نقل الوزارات إلى حلب ووزارة الدفاع إلى حماة، والمؤسسات الاقتصادية إلى مناطق أخرى، يطرح سؤالا أساسيا حول مستقبل مركز الدولة.
فهل تبقى دمشق عاصمة فعلية تمتلك القرار السياسي والعسكري والاقتصادي، أم تتحول إلى عاصمة محاصرة بينما تنتقل المؤسسات إلى مناطق النفوذ الخارجي؟
إن توزيع المؤسسات السيادية على مناطق مختلفة، في ظل الانقسام العسكري والتدخلات الأجنبية، يفتح الباب أمام إضعاف الدولة المركزية، ويجعل إعادة توحيد القرار السوري أكثر صعوبة.
والأخطر أن هذه التحركات تأتي في وقت تتوسع فيه إسرائيل عسكرياً داخل الأراضي السورية، وتقترب من العاصمة دمشق إلى مسافة بضعة كيلومترات فقط، بينما تقوم تركيا باحتلال الشمال السوري.
إن الحديث عن نقل مؤسسات الدولة إلى حلب وإدلب والرقة والحسكة لا يمكن فصله عن واقع احتلال التركي لشمال سوريا.
فتركيا تمتلك حضورا عسكريا وسياسيا واقتصاديا واسعا في المنطقة، كما أن بعض المناطق الشمالية تشهد تداول العملة التركية، واعتمدت على ترتيبات اقتصادية مرتبطة بأنقرة.
وبالتالي، فإن نقل المؤسسات السورية الاستراتيجية إلى مناطق النفوذ التركي يعني تسليم القرار الوطني السوري إلى تركيا، العضو في حلف الناتو التي تفتح أبوابها أمام إسرائيل وتواصل تزويدها بالصادرات والإمدادات، حتى تلك التي تصل إلى جيش الاحتلال وتخدم آلته العسكرية. فهل يجري نقل القرار السوري إلى جهة ترتبط مصالحها الاقتصادية والعسكرية بإسرائيل والناتو، تمهيدا لتسليم ما تبقى من سوريا؟
إن سوريا التي كانت تمتلك مركزا سياديا واحدا، تواجه اليوم خطر التحول إلى دولة تتعدد فيها مراكز القرار، وتتنازعها القوى الخارجية.
وتزداد خطورة المشهد مع تداول معلومات عن ضغوط ترمب على الجولاني، تتعلق بمواجهة حزب الله، أو السماح لإسرائيل بتوسيع عملياتها داخل سوريا.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يستطيع الجولاني رفض الضغوط الأميركية والإسرائيلية، أم أن السلطة الجديدة ستواصل تقديم التنازلات تحت عنوان إعادة ترتيب الأمن والاستقرار؟
إن ما يجري في سوريا اليوم يعيد طرح السؤال الذي لا يمكن الهروب منه، فهل كان إسقاط الدولة السورية بداية لبناء دولة مستقلة، أم مقدمة لإعادة تشكيلها وفق المصالح الإسرائيلية والتركية والأميركية؟
إن الحديث عن نقل المؤسسات من دمشق، بالتزامن مع التوسع الإسرائيلي والضغوط الأميركية، يكشف خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد.
دمشق ليست مجرد عاصمة، بل عنوان الدولة السورية. وأي مشروع يضعف مركزها السيادي، أو يتركها تحت الاحتلال، هو مشروع يستهدف مستقبل سوريا قبل أن يستهدف حدودها.
