- عماد العتابي
لم يكن ما جرى تحت قبة البرلمان مجرد مداخلة سياسية عابرة، ولم يكن تحدي محمود عرشان، جلاد المعتقل السري ” درب مولاي الشريف” لمنتقديه مجرد سجال بين رجل وسياسيين وحقوقيين. ما ظهر من ذلك المنبر كان في دلالته السياسية أبعد من شخص عرشان نفسه؛ كان استحضارا لمرحلة سوداء من تاريخ المغرب، وإشارة إلى أن إرث الدولة الأمنية لا يزال حاضرا في قلب المشهد السياسي، وأن سنوات الجمر الرصاص لم تتحول بعد إلى ماضٍ حُسمت أسئلته وأُغلقت ملفاته بل لا تزال مستمرة في الزمان والمكان.
الجلاد عرشان الذي ارتبط اسمه بماضي الأجهزة الأمنية الإجرامي بمعتقل درب مولاي الشريف، أحد أكثر الأماكن حضورا في ذاكرة الاعتقال والتعذيب خلال سنوات الجمر الرصاص، يعود اليوم إلى واجهة النقاش السياسي من بوابة البرلمان، لا بوصفه شاهدًا على تلك المرحلة فحسب، بل باعتباره شخصية تعيد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين رموز التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والعمل السياسي.
أي مفارقة هذه؟ أن تتحول قبة البرلمان التي يفترض أن تكون فضاء للنقاش الديمقراطي ومساءلة السلطة، إلى منصة يمتطيها جلاد ومجرم ويخرج منها خطاب التحدي في قضية تتصل بذاكرة الاعتقال والتعذيب والانتهاكات التي عاشها مغاربة على امتداد عقود. وأي رسالة تصل إلى الضحايا وعائلاتهم حين يُستحضر الماضي بلغة المواجهة، بدل أن يكون مدخلا إلى كشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار؟
لم يكن عرشان وحده من يتحدى المغاربة من تحت قبة البرلمان؛ بل كانت الدولة القمعية بكل تاريخها ورموزها وأجهزتها، هي من تتحدى ذاكرة المغاربة وآلام ضحاياها. كان عرشان يتحدث بلسانه، لكن الرسالة التي حملها خطابه تتجاوز شخصه لتلامس منظومة قمعية كاملة، ارتبط تاريخها بمعتقلات التعذيب والقمع السياسي، وفي مقدمتها معتقل درب مولاي الشريف، الذي ظل شاهدًطا على واحدة من أحلك مراحل التاريخ السياسي الحديث للمغرب.
من كان يتحدى المغاربة هو الحموشي ومنظومة الدولة الأمنية التي يمثل امتدادها المؤسسي؛ تلك المنظومة التي لا يزال المغاربة يطالبونها بضمان ألا تعود ممارسات الماضي وبكشف الحقيقة في الملفات الحقوقية العالقة، وبإنهاء كل أشكال الإفلات من المساءلة.
من كان يتحدى المغاربة هو منطق سنوات الجمر والرصاص نفسه، حين كانت الأجهزة الأمنية تتحول إلى أداة للقمع، وكان الاعتقال والتعذيب والتضييق على المعارضين جزءا من ذاكرة سياسية لم يستطع المغاربة محوها، لأنها لم تُطوَ كلها بالحقيقة والإنصاف.
من كان يتحدى المغاربة هو الاختيار الأمني للدولة، الذي أعاد إلى الأذهان عبر خطاب عرشان، أن المصالحة مع الماضي لا تزال تواجه أسئلة معلقة، وأن طي صفحة الانتهاكات لا يتحقق بمجرد إعلان نهاية مرحلة تاريخية، ما دامت الذاكرة الحقوقية تستحضر ضحاياها وتطالب بكشف الحقيقة وضمان عدم التكرار.
من كان يتحدى المغاربة هو ذلك النهج الذي يضع هيبة السلطة فوق حق المجتمع في المساءلة، ويبعث برسائل توحي بأن إرث الجمر والرصاص لم يصبح ماضيا محسوما، وأن الدولة الأمنية لا تزال قادرة على فرض حضورها في قلب المؤسسات السياسية.
من كان يتحدى المغاربة، هو من اغتال شهداء حركة عشرين فبراير وأحرق جثامينهم داخل مؤسسة بنكية بمدينة الحسيمة، وهو من قتل عماد العتابي خلال حراك الريف سنة 2017…
من كان يتحدى المغاربة في نهاية المطاف، هو خيار الدولة الأمنية الذي جعل من التحدي رسالة سياسية، بدل أن يجعل من الحقيقة والمساءلة عنوانا للمصالحة.
لقد شكّلت هيئة الإنصاف والمصالحة محطة مهمة في الاعتراف بانتهاكات الماضي وجبر الضرر، لكن المصالحة لا تكتمل بمجرد الاعتراف الرسمي، ولا تتحقق بإغلاق الملفات في أرشيف الذاكرة الإدارية، وكأن ما جرى مجرد صفحة عابرة من تاريخ المغرب.
فالمصالحة الحقيقية تقتضي كشف الحقيقة كاملة، وترتيب المسؤوليات ومحاسبة الجلادين وإنصاف الضحايا، وضمان ألا يتحول الإفلات من العقاب إلى امتياز سياسي يسمح لمن ارتبطت أسماؤهم بسنوات الجمر والرصاص بالعودة إلى الواجهة وممارسة السياسة من دون مساءلة.
فكيف يمكن الحديث عن طي صفحة الماضي، بينما يجد المغاربة أنفسهم أمام شخصيات من ذلك الزمن الأسود تتحدى المغاربة ومنتقديها من تحت قبة البرلمان؟ وأي معنى للمصالحة إذا كان الضحايا مطالبين بالنسيان بينما يُمنح جلادو الأمس منابر في البرلمان والأحزاب والإعلام؟
فهل انتهت سنوات الرصاص فعلا أم أن المنابر تغيرت، بينما لا تزال ظلال الماضي تحضر كلما طالب المغاربة بالكرامة والحرية والعدالة؟
