بيروت – لبنان
لم يكن توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة اللبنانية في واشنطن مجرد تفاهم أمني يتعلق بجنوب لبنان، بل يمثل، في جوهره، محاولة لإعادة رسم التوازنات التي عجزت إسرائيل عن فرضها بالقوة العسكرية طوال أشهر الحرب. فما لم تستطع تل أبيب تحقيقه بالنار والدمار، تحاول اليوم تحقيقه عبر المسار السياسي والدبلوماسي، واضعة الدولة اللبنانية أمام التزامات تجعل مستقبل الجنوب، بل ومستقبل المقاومة، رهينة لشروط إسرائيلية وأميركية.
بعد أشهر من المواجهة، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق هدفها الاستراتيجي المعلن المتمثل في القضاء على حزب الله أو إنهاء قدراته العسكرية. ورغم حجم الدمار الهائل وسقوط آلاف الضحايا، بقي الحزب قائما، محتفظا ببنيته التنظيمية والعسكرية. هذا الفشل دفع واشنطن إلى نقل المعركة من الميدان العسكري إلى ميدان السياسة، عبر اتفاق يجعل ما عجزت عنه الحرب شرطا مسبقا لأي انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
فالاتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل باستكمال ترتيبات أمنية تتعلق بتفكيك البنية العسكرية للمقاومة وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، بما يحول الانسحاب من استحقاق يفرضه القانون الدولي إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية تحتفظ إسرائيل بحق استخدامها متى شاءت، وبالقدر الذي تراه محققاً لمصالحها الأمنية.
وبذلك، يصبح الاحتلال هو من يحدد موعد إنهاء احتلاله، فيما تتحول الدولة اللبنانية إلى الجهة المطالبة بتنفيذ الشروط التي عجز الجيش الإسرائيلي عن فرضها بالقوة.
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار الاتفاق أحد أهم المكاسب السياسية التي حققها بنيامين نتنياهو منذ اندلاع الحرب. فالرجل الذي دخل المواجهة وهو يرفع شعار القضاء على حزب الله، ولم ينجح في تحقيقه عسكريا، خرج باتفاق يضع هذا الهدف ضمن التزامات السلطة اللبنانية نفسها، بما يسمح له بتقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره إنجازاً سياسياً واستراتيجياً تحقق بفضل الحرب والضغط الأميركي.
لكن هذا الاتفاق لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها الإقليم خلال السنوات الأخيرة. فما يجري في لبنان هو، إلى حد بعيد، أحد مفاعيل التحولات التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق وتغير موازين القوى في دمشق. فقد أدى ذلك إلى تفكيك إحدى أهم حلقات التوازن الإقليمي التي كانت تشكل العمق الاستراتيجي للمقاومة اللبنانية، وفتح المجال أمام توسع النفوذ الأميركي والإسرائيلي والتركي داخل سوريا، الأمر الذي انعكس مباشرة على البيئة الاستراتيجية المحيطة بلبنان.
وفي هذا السياق، تبدو الساحة اللبنانية اليوم امتدادا للصراع على مستقبل الشرق الأوسط، حيث يجري العمل على إعادة تشكيل خرائط النفوذ بعد إضعاف محور المقاومة، وإعادة دمج لبنان في منظومة أمنية وسياسية تتوافق مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، عبر تحويل الدولة اللبنانية إلى الضامن الأول لأمن الحدود الشمالية لإسرائيل.
ويرى مراقبون أن الاتفاق لا يقتصر على معالجة الوضع الأمني جنوب الليطاني، بل يؤسس لمرحلة سياسية جديدة قد تنقل لبنان تدريجيا من حالة الصراع المفتوح مع إسرائيل إلى واقع مختلف، تكون فيه الأولوية للترتيبات الأمنية والاقتصادية التي تفرضها موازين القوى الجديدة، وهو ما يثير مخاوف واسعة من أن يصبح هذا الاتفاق مدخلا لمسار تطبيع مجاني.
ويبقى مستقبل هذا المسار مرهونا بقدرته على التنفيذ. فحزب الله أعلن رفضه لأي محاولة لنزع سلاحه، بينما يدرك كثيرون داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية أن أي مواجهة داخلية ستكون ذات كلفة باهظة على استقرار البلاد. ولذلك، فإن الاتفاق قد لا يقود إلى إنهاء الأزمة بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة من الضغوط السياسية والأمنية، يكون عنوانها استخدام أدوات الدولة لتحقيق أهداف عجزت الحرب عن تحقيقها.
وعليه، فإن اتفاق واشنطن لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار أو لتنظيم الوضع الأمني في الجنوب، بل يمثل حلقة في مشروع إقليمي لإعادة تشكيل موازين القوى في المشرق، بدأ بتغير المشهد السوري، وامتد إلى لبنان، ويستهدف إنتاج واقع سياسي وأمني جديد يمنح إسرائيل ما عجزت عن انتزاعه في ساحات القتال، عبر اتفاقات توقع مع عملائها على طاولات التفاوض.
