الرباط – المغرب
في مفارقة ثقيلة على الذاكرة السياسية واليسارية المغربية، اختار مكتب الاتصال الإسرائيلي مقره الجديد في شارع يحمل اسم الشهيد المهدي بنبركة، القيادي اليساري المغربي الذي اختُطف في باريس سنة 1965 وظل مصيره مجهولا إلى اليوم، في واحدة من أكثر القضايا غموضا وإثارة للجدل في تاريخ المغرب الحديث، والتي ارتبطت فيها التحقيقات والاتهامات بأجهزة أمنية مغربية وبجهاز الموساد الإسرائيلي.
وبعد أكثر من ستة عقود على اختفاء بنبركة، يعود الحضور الإسرائيلي إلى المكان الذي يحمل اسمه في قلب الرباط. وبالنسبة إلى كثير من المغاربة، لا يمكن فصل هذا العنوان عن الذاكرة الثقيلة لقضية لم تُطوَ فصولها، ولا عن الأسئلة التي ظلت معلقة حول الجهة التي تقف وراء اختطافه ومصيره النهائي. هكذا، يأتي انتقال مكتب الاتصال الإسرائيلي إلى شارع المهدي بنبركة ليعيد من حيث الرمزية على الأقل، فتح جرح تاريخي لم يندمل بعد.
فبعد أسابيع من مغادرته مقره السابق بشارع النخيل في حي الرياض، ظهر مكتب الاتصال الإسرائيلي هذا الأسبوع في مقره الرسمي الجديد بحي السويسي، في منطقة تضم عددا من السفارات والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، وسبق أن احتضنت مكتب الاتصال خلال المرحلة السابقة من العلاقات الرسمية بين الرباط وتل أبيب في تسعينيات القرن الماضي.
وشهد المقر الجديد صباح الأربعاء 12 غشت 2026، ما بدا بمثابة انطلاق فعلي للعمل داخله، بعدما التحق به عدد من الموظفين، وسط حضور أمني كثيف شمل القوات العمومية وعناصر الأمن الخاص، إلى جانب إجراءات واضحة لتأمين محيط البناية والحيلولة دون لفت الأنظار إليها.
والمفارقة لا تقف عند اسم الشارع. فعودة المكتب إلى الرباط تتزامن مع واحدة من أكثر المراحل حساسية في العلاقة بين المغرب وإسرائيل، في ظل الحرب على غزة ولبنان واليمن وإيران وما خلفته من غضب واسع في الشارع المغربي، حيث ظلت القضية الفلسطـ.ينية تحظى بمكانة خاصة، بينما تواجه العلاقات مع الكيان انتقادات متصاعدة.
أما العلم “الإسرائيلي”، الذي ظهر داخل المقر الجديد دون أن يكون بارزا في واجهته، فيضيف تفصيلا آخر إلى مشهد شديد الحساسية. حيث يكشف حضورا رسميا إسرائيليا في العاصمة المغربية، لكن في ظل حرص واضح على عدم تحويل هذا الحضور إلى مشهد لافت في الشارع.
وبين شارع يحمل اسم رجل ما زال مصيره مجهولا، ومكتب يمثل “كيان إحتلال” ترتبط في الذاكرة المغربية بقضية اختفائه، وحرب في غزة وفي لبنان جعلت التطبيع أكثر استفزازًا للرأي العام، حيث يبدو انتقال المكتب أبعد من مجرد تغيير في العنوان.
إنه مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالا لم يفقد حساسيته بعد، فكيف يمكن لملف التطبيع أن يستمر في التقدم رسميا، بينما تظل ذاكرة بنبركة والقضية الفلسطينية حاضرتين بقوة في الوجدان المغربي؟
وبالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشعب المغربي، فإن حضور “إسرائيل” في شارع المهدي بنبركة لا يُقرأ باعتباره تفصيلا بروتوكوليا عابرا، بل باعتباره التقاءً صادما بين ذاكرة لم تُغلق، وحاضر سياسي يثير الجدل، وجرح تاريخي لم يجد بعد خاتمته.
