نقرير – فلسطين المحتلة
رفع رامي بن حمو، اليهودي من أصل مغربي الذي كان موظفا في منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دعوى قضائية ضد سارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء، يطالب فيها بتعويض قدره 450 ألف شيكل، متهما إياها بإخضاعه على مدى سنوات، لسلسلة من الإهانات والمعاملة المهينة وظروف العمل القاسية.
وبحسب ما جاء في الدعوى، فإن بن حمو عمل في المقر الرسمي لرئيس الوزراء لأكثر من عقد، اتهم سارة نتنياهو بإهانته بسبب أصوله، من بينها وصفه وفق ما ورد في شكواه، بـ”المغربي المتخلف”، إلى جانب عبارات أخرى قال إنها كانت تنتقص من أصله وتصفه بأنه شخص “غير متحضر” و”بدائي”.
وتتضمن الشكوى اتهامات تتعلق أيضا بظروف العمل، إذ يقول بن حمو إن سارة نتنياهو كانت تطالبه بالعمل من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل، وتكلفه بأعمال خارج نطاق مهامه، بينها تنظيف باطن حذائها بالمناديل المبللة، كما يتهمها بإلقاء أكياس على الأرض وإجباره على جمعها زحفا، وبالاستمرار في العمل رغم خضوعه لإجراء طبي في القلب. كما تحدث عن ضغوط للعمل خلال أوقات تتعارض مع التزامه الديني بعطلة السبت.
وتنقل الدعوى، بحسب رواية بن حمو، عبارات أخرى قال إنه كان يتعرض لها بشكل متكرر، من بينها المقارنة بين أدائه وأداء أطفال الأسرة في طي الأكياس، إضافة إلى قوله إن سارة نتنياهو كانت تصرخ في وجهه وتبلغه بأنها وزوجها لا يحبانه.
وطالب بن حمو، مقابل ما يقول إنها سنوات من المعاملة المهينة والحاطة من كرامة الإنسان، بتعويض مالي قدره 450 ألف شيكل، في قضية تعيد إلى الواجهة ملف التعامل مع اليهود من أصول مغربية وشرقية داخل فلسطين المحتلة (إسرائيل)، كما تفتح بابا أوسع للنقاش حول التفاوتات الاجتماعية والعرقية التي رافقت تاريخ الكيان الصهيوني منذ تأسيسه.
وتطرح واقعة بن حمو، من هذه الزاوية، مفارقة لافتة، فالشخص الذي يقول إنه تعرض للإهانة بسبب أصوله المغربية هو نفسه يهودي عاش وعمل داخل إحدى أكثر المؤسسات السياسية حساسية في “إسرائيل”. وبينما يراهن خطاب التطبيع على تقديم العلاقة مع “إسرائيل” باعتبارها علاقة ندية بين طرفين تجمعهما المصالح والاحترام، تكشف هذه القضية، عن استمرار حضور حساسيات الأصل والعرق داخل المجتمع الصهيوني.
كما تثير القضية تساؤلات بشأن الصورة التي يحاول بعض أنصار التطبيع في المغرب تقديمها عن “إسرائيل”، خصوصا أولئك الذين يذهبون في خطابهم إلى حد تبني المواقف الإسرائيلية وجرائمها والدفاع عنها وتقديم خدمات مجانية لها، باعتبار أن التقارب معها كفيل بتحقيق الاعتراف والمكانة. غير أن الشكوى المقدمة من بن حمو تقدم على الأقل في حدود ما تتضمنه من ادعاءات، صورة مختلفة عن تلك التي يرسمها الخطاب الدعائي للعلاقة بين بعض المغاربة و”إسرائيل”.
والقضية تطرح أيضا سؤالا عن أولئك الذين يتجاوزون حدود التطبيع الرسمي إلى التماهي الكامل مع المشروع الصهيوني، فيدافعون عن إسرائيل في كل مناسبة ويهاجمون منتقديها، ويقدمون لها خدمات مجانية، ويظنون أن هذا الولاء سيمنحهم موقعا داخل منظومة القوة. غير أن العلاقة بين السيد والتابع لا تتحول إلى علاقة ندية بمجرد أن يبالغ التابع في إظهار ولائه؛ بل إن الإفراط في التنازل يعمق اختلال ميزان القوة.
وفي الحالة المغربية تحديدا، تبدو المفارقة أكثر وضوحا. فبينما يرفع بعض الأصوات شعار التقارب مع “إسرائيل” باعتباره طريقا إلى “الحداثة” و”الانفتاح”، تأتي قضية يهودي من أصول مغربية لتعيد التذكير بأن الأصل والعرق والتراتبية الاجتماعية ظلت موضوعا حساسا داخل المجتمع الإسرائيلي، وأن التطبيع مع “إسرائيل” لا ينبغي أن يسوّق للمغاربة باعتباره علاقة تلقائية بين أطراف متساوية تتجاوز كل أشكال التمييز والاستعلاء.
ولا تتوقف خطورة التطبيع عند حدود العلاقة مع إسرائيل، بل تمتد إلى الطريقة التي يعاد بها تعريف الموقف من الاحتلال نفسه. فحين يصبح الدفاع عن إسرائيل أكثر حضورا من الدفاع عن الحق الفلسطيني، وحين يتحول رفض التطبيع إلى تهمة بينما يصبح تبرير الاحتلال موقفا “واقعيا”، فإن الأمر يتجاوز العلاقات بين الكيان الصهيوني والمغرب إلى معركة على الوعي والموقف السياسي.
قضية بن حمو، تأتي في هذا السياق لتسلط الضوء على تناقض صارخ بين الصورة الوردية التي يحاول بعض المطبعين رسمها عن “إسرائيل” وبين الوقائع التي تظهر داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. وهي في الوقت ذاته، تطرح سؤالا مباشرا على من يبالغون في تقديم الولاء لإسرائيل؛ فهل التطبيع يحقق الندية فعلا، أم أنه يفتح الباب أمام علاقة غير متكافئة يصبح فيها الطرف المغربي والعربي مطالبا دائما بالمزيد من التنازلات والانبطاح لإثبات حسن نيته؟
