تقرير – سبتة/الفنيدق
في ملف الهجرة يبدو أن التنسيق بين المغرب وإسبانيا يعرف طريقه بسهولة عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين الأحياء، لكنه يتعثر بصورة مفاجئة عندما يتعلق الأمر بجثامين ضحايا الهجرة.
بعد التعرف إلى هويات الضحايا التسعة من خلال البصمات وتحاليل الحمض النووي، انتظرت عائلاتهم نقل جثامينهم إلى المغرب لدفنها في مدنهم. غير أن هذا الانتظار انتهى بخيبة قاسية، بعدما تقرر دفنهم اليوم الأربعاء، في المقبرة الإسلامية بسيدي امبارك في سبتة. وبحسب ما أورده الإعلام الإسباني، حاولت خمس عائلات استكمال إجراءات استعادة جثامين ذويها، فيما كانت الملفات القضائية والإدارية قد أُنجزت. ومع ذلك بقيت الجثامين في سبتة، وبقيت العائلات أمام واقع يصعب تبريره إنسانيا.
وتبرز حالة محمد سعيد عريف، البالغ من العمر 21 عاما، بوصفها واحدة من أكثر الوقائع دلالة على هذا العبث. فقد وصل نعشه إلى معبر تاراخال، بعد استكمال إجراءات نقله إلى أسرته، قبل أن يُعاد من المعبر بعد رفض الحانب المغربي استقبال جثمانه، شاب في الحادية والعشرين، تم التعرف إلى هويته، لكنه لم يتمكن حتى بعد موته من العودة إلى بلده. وبين الضحايا الذين تم الكشف عن أسمائهم يونس وعبد السلام ونور الدين وعبد المومن وإبراهيم وسلمى، وينحدرون من الفنيدق والعرائش وتطوان وأصيلة والقصر الكبير. معظمهم كانوا في العشرينيات من العمر، بينما كان عبد السلام يبلغ 74 عاما، بعدما سبق له العمل لسنوات في سبتة.
في المقابل ينفي وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن يكون المغرب قد رفض تسلم الجثامين بصورة مطلقة، ويؤكد أن الرباط تشترط استكمال ملفات الطب الشرعي وإثبات هويات الضحايا، إضافة إلى التوصل إلى اتفاق شامل مع إسبانيا يتضمن إعادة المهاجرين الأحياء والقاصرين. غير أن هذا التبرير يفتح بابا أكثر إزعاجا من مجرد الخلاف حول الوثائق؛ فلماذا يتحول حق العائلات في استعادة جثامين أبنائها إلى جزء من صفقة سياسية وأمنية مرتبطة بملف الهجرة؟ وهل ينبغي أن تكون الجثامين نفسها رهينة للتفاهمات بين الحكومتين؟
المفارقة تصبح أكثر فجاجة عند مقارنة هذا التعقيد بالتنسيق المغربي الإسباني في التعامل مع المهاجرين الأحياء. فعندما يكون المطلوب إبعاد مهاجرين وصلوا إلى سبتة أو مليلية، لا تبدو الحدود عاجزة عن إنتاج الحلول. تتحرك الأجهزة الأمنية وتُفتح المعابر، وتُنسق عمليات الإعادة، بل جرى في مناسبات سابقة استخدام مسارات ونقاط عبور محاذية للسياج الحدودي، بما يجعل الاعتبارات الأمنية تتقدم على الاعتبارات الإنسانية والقانونية. أما عندما يتعلق الأمر بجثامين شباب تم التعرف إلى هوياتهم، يبدو التنسيق فجأة أكثر صعوبة وتتحول القضية إلى ملف إداري وسياسي شديد التعقيد.
هنا تحديدا تكمن المفارقة التي تستحق المساءلة، فكيف تستطيع الدولتان تنسيق عمليات إعادة الإنسان عندما يكون حيًا، ثم تعجزان عن التنسيق عندما يصبح جثمانا؟ إذا كانت المشكلة فعلا في الوثائق والإجراءات، فهذه مسائل يمكن للسلطات حلها بين ليلة وضحاها، ولا تحتاج إلى تحويل جثامين الموتى إلى أدوات تفاوض. أما إذا كانت الجثامين مرتبطة، كما يوحي الموقف الرسمي، بملف إعادة المهاجرين الأحياء والقاصرين، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة، لأن ذلك يعني أن عائلات الضحايا تدفع ثمن خلاف سياسي لا علاقة لها به.
الموت في النهاية، يفترض أن يسقط الحسابات السياسية لا أن يضاعفها. هؤلاء الضحايا لم يعودوا قادرين على التفاوض أو الاحتجاج أو الدفاع عن أنفسهم. الذين بقوا هم آباؤهم وأمهاتهم وأبناؤهم وإخوتهم، وهم لا يطلبون امتيازا سياسيا ولا صفقة دبلوماسية، بل يطلبون فقط أن تعود جثامين أحبائهم إلى الأرض التي خرجوا منها. ومن الصعب أخلاقيا تصور مبرر يجعل هذا الحق البسيط مشروطا بتسوية ملف آخر أو يدخل به في مساومة بين دولتين.
القضية تتجاوز مصير تسعة أشخاص. إنها تكشف إلى أي حد يمكن أن تتحول سياسة الهجرة إلى منظومة تتراجع فيها الاعتبارات الإنسانية أمام الحسابات الأمنية والسياسية. فالمهاجر في هذه المعادلة يُعامل أولا باعتباره مشكلة حدودية، ثم باعتباره ملفًا أمنيا وفي النهاية قد يتحول حتى جثمانه إلى جزء من مفاوضات ومساومات لا علاقة لعائلته بها.
وبينما تتبادل الرباط ومدريد التبريرات المرتبطة بالإجراءات والملفات القضائية والترتيبات الأمنية، تبقى العائلات في انتظار إجابة عن سؤال بسيط عن لماذا تعذّر نقل جثامين تم التعرف إلى أصحابها إلى المغرب، رغم أن قنوات التنسيق بين البلدين تعمل بصورة متواصلة في ملفات الهجرة وإعادة المهاجرين؟ وبينما تستعد مقبرة سيدي امبارك في سبتة لاحتضان الضحايا التسعة، تجد عائلاتهم نفسها أمام واقع لم تكن تتوقعه. فأبناؤها الذين غادروا المغرب بحثا عن حياة أفضل سيُدفنون خارج وطنهم، بعدما تعذر أن تكون عودتهم الأخيرة إليه ممكنة.
