تقرير – بركان (المغرب)
لم يكن سعيد الطاهري، خطيب مسجد الغفران بمدينة بركان، يعلن من فوق المنبر تأييد الهجرة غير النظامية، ولم يكن يدعو الشباب إلى اقتحام الحدود أو رمي أنفسهم في البحر. على العكس، فإن ما نقل عن خطبته يتضمن تحذيرا واضحا من مخاطر الهجرة، ودعوة إلى بناء وعي الشباب وتحصينهم بالعلم والتكوين حتى لا يتحول البحر إلى مقبرة لأحلامهم.
ومع ذلك، انتهت الخطبة بقرار توقيف الخطيب عن أداء مهمة الخطابة، بعدما تناول موضوعا شديد الحساسية؛ المواطنة وعلاقة الحقوق بالواجبات، والأسباب التي تدفع بعض الشباب إلى البحث عن مستقبلهم خارج الوطن، في سياق أحداث الهروب الجماعي نحو سبتة.
هذه القضية أكبر من سعيد الطاهري، وأكبر من مسجد الغفران، وأكبر حتى من خطبة جمعة واحدة. إنها قضية حرية السؤال داخل الفضاء الديني، وقضية علاقة الدولة بالخطباء والأئمة، وقضية الحدود التي تريد السلطة أن ترسمها للكلمة حين تتناول الواقع الاجتماعي وتقترب من الملفات التي تفضل المؤسسات الرسمية أن تبقى خارج دائرة النقد.
المشكلة ليست في أن وزارة الأوقاف تريد تنظيم الخطاب الديني. فهذا أمر مفهوم، بل إن للمساجد حرمتها وللخطابة ضوابطها. المشكلة تبدأ عندما يتحول التنظيم إلى وصاية كاملة على مضمون الكلام، وعندما يصبح الخطيب مطالبا بأن يتحدث عن المواطن وواجباته، لكنه مطالب في الوقت نفسه بالصمت حين يصل الحديث إلى حقوق هذا المواطن ومسؤوليات الدولة تجاهه.
أي مواطنة هذه؟ وأي خطاب ديني يمكن أن يبقى حيا إذا كان مسموحا له أن يعظ المواطن بالصبر والطاعة والانضباط، لكنه ممنوع من أن يسأل لماذا يعاني المواطن من البطالة، ولماذا يبحث الشاب عن مستقبله خارج بلده، ولماذا أصبحت الهجرة بالنسبة إلى بعض الشباب حلما يساوي عندهم حتى المخاطرة بالموت؟
الطاهري وضع يده على جرح حقيقي. فالشاب الذي يقرر عبور البحر أو اقتحام الحدود لا يحتاج إلى من يخبره فقط بأن البحر خطير. هو يعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر. والشاب الذي يترك أسرته ووطنه ويتجه نحو المجهول لا يحتاج بالضرورة إلى خطبة جديدة عن حب الوطن؛ إنه يحتاج إلى سبب حقيقي يجعله يؤمن بأن لهذا الوطن مكانا له، وأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخله.
وهذا تحديدا ما جعل كلام الخطيب مزعجا. لأنه لم يكتف بإدانة الشباب. لم يضع كل المسؤولية على المهاجر، ولم يقل إن هؤلاء الشباب يكرهون وطنهم.
بل حاول أن يسأل عن المسؤولية المقابلة؛ ماذا فعلت الدولة حتى يشعر هذا الشاب بأن له مستقبلا في بلده؟ وهذا سؤال اجتماعي قبل أن يكون سياسيا، وهو سؤال مشروع قبل أن يكون سؤالا مقلقا.
وإذا كانت الإجابة عنه تقتضي توقيف الخطيب، فالمشكلة لم تعد في الخطيب، وإنما في حجم المساحة التي يسمح بها النظام للكلمة الناقدة، حيث أن أخطر ما يمكن أن يحدث للمنبر ليس أن يتحدث فيه الخطيب في السياسة، وإنما أن يتحول إلى مكان يخشى فيه الخطيب من الحديث عن الواقع.
فالمنبر الذي لا يرى البطالة ليس منبرا يعيش مع الناس. والمنبر الذي لا يسمع أنين الفقراء ليس منبرا يعيش مع الناس، والمنبر الذي يرى شبابا يغامرون بأرواحهم ثم يكتفي بتوبيخهم من دون أن يسأل عن الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك، يفقد جزءا من مصداقيته ورسالته الأخلاقية والاجتماعية.
لقد اعتادت السلطة، في كثير من السياقات أن تكون أكثر ارتياحا للخطيب الذي يقدم النصائح الأخلاقية العامة، ويطالب الناس بالصبر والانضباط، ويكرر الحديث عن الواجبات. لكنها تصبح أقل ارتياحا عندما يبدأ الخطيب في الحديث عن الطرف الآخر من المعادلة، عن حقوق المواطن وعم مسؤولية السياسي وواجب الدولة في التعليم والصحة والتشغيل والأمن والكرامة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجا للدولة، هل المطلوب من الخطيب أن يربي المواطن على واجباته فقط أم أن من حقه أيضاً أن يذكر الدولة بواجباتها؟ لأن المواطنة ليست عقدا أحادي الاتجاه.
فالدولة ليست جهة تمنح الأوامر، والمواطن ليس مجرد منفذ لها.
هناك حقوق وواجبات متبادلة، وهناك مسؤولية مشتركة، وهناك دولة يفترض أن تكون في خدمة المجتمع لا أن تطلب من المجتمع فقط أن يكون في خدمتها. وإذا كان مجرد تذكير المسؤولين بهذه الحقيقة يستوجب توقيف الخطيب، فإن الرسالة التي تصل إلى باقي الخطباء واضحة ومخيفة؛ لا تقتربوا من الملفات الحساسة ولا تسألوا عن أسباب الغضب الاجتماعي ولا تتحدثوا عن فشل السياسات العمومية، ولا تضعوا المسؤولية أمام أصحاب القرار.
المنبر فضاء ديني وأخلاقي، والخطيب إنسان يعيش وسط المجتمع، يسمع مشاكله ويرى أزماته ويعرف أن خلف كل شاب يحاول الهجرة قصة عائلة، وخلف كل عاطل سنوات من الانتظار، وخلف كل حلم بالرحيل إحساساً بأن المستقبل أصبح بعيداً.
من حق الخطيب أن يتحدث عن ذلك ومن حقه أن يسأل ومن حقه أن يختلف ومن حق المجتمع أن يسمع. وإذا كانت الدولة التي تدعي أنها قوية بما يكفي لتدبير اقتصاد البلاد وأمنها وحدودها ومؤسساتها، فينبغي أن تكون قوية أيضا بما يكفي لسماع خطبة لا تعجبها. أما إسكات الخطيب فلا يمنع الشباب من الهجرة، ولا يوفر فرص العمل. ولا يبني المدارس ولا يعالج المستشفيات. ولا يعيد الأمل إلى الذين فقدوه.
إنه فقط يجعل الخطباء أكثر خوفا. وهذا في النهاية ليس انتصاراً للدولة ولا للدين ولا للمجتمع.
