تقرير – طنجة
عُثر على جثمان مواطن مغربي داخل غرفة عجلات طائرة حطّت في أحد مطارات لندن، بعد رحلة قادمة من طنجة. ووفق المعطيات المتداولة، فإن الضحية كان يعمل في مطار طنجة، قبل أن يحاول التسلل إلى الطائرة والاختباء داخل غرفة العجلات، في محاولة للوصول إلى بريطانيا. محاولة انتهت بالموت، لكنها تفتح من جديد السؤال حول بلد يُقال لنا باستمرار إنه يعيش التنمية والازدهار، بينما يواصل شبابه البحث عن أي منفذ للخروج منه، حتى لو كان ذلك داخل غرفة عجلات طائرة.
هذه ليست مجرد قصة شاب خاطر بحياته، ولا حادثة معزولة يمكن اختزالها في قرار فردي. إنها صورة قاسية لواقع اجتماعي لا يمكن إخفاؤه خلف أرقام النمو ولا خلف واجهات المشاريع الكبرى والملاعب الضخمة. عندما يصل اليأس بشاب يعمل في مطار إلى الاختباء داخل عجلات طائرة، وعندما يغامر آخرون بحياتهم في البحر أو على حدود سبتة ومليلية، فمن حق المغاربة أن يتساءلوا ما الذي جعل شبابنا يرون الموت أهون من البقاء في المغرب؟
المفارقة أن هذا يحدث في الوقت الذي يستمر فيه الخطاب الرسمي في تقديم المغرب باعتباره ورشا مفتوحا للتنمية، وبلدا يسير بثبات نحو الإقلاع الاقتصادي، بينما تتوالى صور الشباب الذين يحاولون مغادرته بأي ثمن. نتحدث عن مشاريع كبرى وبنيات تحتية واستثمارات واستحقاقات دولية، وعن مغرب صاعد في الخطاب الرسمي؛ لكن المغاربة لا يرون في كل ذلك ما يكفي لإقناعهم بأن مستقبلهم موجود هنا.
الملك نفسه يتحدث في خطبه عن التنمية والعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق وتحسين ظروف عيش المواطنين، لكن استمرار مشاهد الموت على طرق الهجرة يفرض سؤالا صعبا على الدولة؛ أين يلتقي هذا الخطاب عن مغرب التقدم والازدهار مع مغربٍ يخاطر فيه شاب بحياته مختبئا في غرفة عجلات طائرة؟
المشكلة ليست في وجود المشاريع الكبرى، ولا في بناء الطرق والمطارات والملاعب والمنشآت الحديثة؛ المشكلة في أن التنمية التي لا تجعل المواطن يشعر بأن له مكانا في بلده تبقى ناقصة مهما كانت أرقامها في الورق ضخمة. فالنجاح الحقيقي لأي دولة لا يقاس فقط بما تبنيه من إسمنت وحديد، وإنما بقدرتها على جعل مواطنيها يرون مستقبلهم داخلها، لا خلف حدودها.
ومن طنجة إلى لندن، ومن شواطئ الشمال إلى حدود سبتة ومليلية، تتكرر الرسالة نفسها بأشكال مختلفة؛ هناك شباب مستعدون للموت من أجل الوصول إلى مكان آخر. وهذه الرسالة ينبغي ألا تُقابل بخطاب احتفالي جديد عن المشاريع والمنجزات، بل بوقفة سياسية واجتماعية صادقة أمام سؤال الهجرة واليأس والعدالة الاجتماعية.
فحين يصبح الاختباء داخل عجلات طائرة خيارا لشاب مغربي، وحين تصبح البحر والحدود مسالك للموت بالنسبة إلى آخرين، فإن المشكلة ليست في المهاجرين؛ إنها مرآة لبلد ما زال الخطاب الرسمي يعيش في عالم آخر، بينما يبحث الشباب المغربي عن مستقبل في مكان آخر.
