تقرير – سبتة
بينما كانت الحكومة الإسبانية تعلن توصلها إلى اتفاق مع المغرب لتسريع إعادة المهاجرين الذين دخلوا مدينة سبتة بشكل غير نظامي، وإيفاد وزير الداخلية فرناندو غراندي-مارلاسكا إلى المدينة لاحتواء الأزمة، كانت السلطات المحلية في سبتة تدق ناقوس الخطر، مطالبة مدريد بإعلان حالة الطوارئ وإنزال الجيش، بعد موجة عبور غير مسبوقة وضعت المدينة أمام واحدة من أخطر أزماتها منذ سنوات.
غير أن المعطيات التي توصلت بها منصة “صدى الحقيقة” تكشف أن ما حدث لم يكن، وفق مصادر المنصة، مجرد انفجار عفوي لموجة هجرة، بل سبقته تحركات مغربية ميدانية لافتة تستحق التوقف عندها.
فبحسب معطيات حصلت عليها المنصة من مصادر مطلعة، شنت السلطات المغربية، قبل يومين فقط من موجة العبور الجماعي، حملة أمنية واسعة في محيط غابات بليونش والمناطق المجاورة لسبتة، شاركت فيها أعداد كبيرة من عناصر الأمن، مدعومة بمروحيات، واستهدفت مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء الذين اعتادوا التمركز في تلك الغابات.
وتفيد المصادر نفسها بأن الحملة انتهت بترحيل أعداد من هؤلاء المهاجرين نحو مناطق في جنوب المغرب، وهو ما قد يفسر، بحسب المصادر، الغياب اللافت للمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء عن مشاهد العبور الأخيرة، في مقابل الحضور الكثيف للمواطنين المغاربة، ولا سيما الأطفال والشباب، الذين شكلوا غالبية من حاولوا الوصول إلى سبتة خلال الساعات الماضية.
وتربط المصادر هذه التحركات بما تعتبره تحولا في طريقة إدارة المشهد الحدودي، معتبرة أن الاقتصار على المواطنين المغاربة في موجة العبور الأخيرة يطرح أسئلة حول طبيعة ما جرى على الجانب المغربي، في ظل المشاهد التي أظهرت تدفق أعداد كبيرة نحو المدينة، وما رافقها من اتهامات في الإعلام الإسباني بوجود تراخٍ واضح وتسهيل على الجانب المغربي.
وتذهب المصادر إلى أبعد من ذلك، إذ تربط هذه التطورات بسياق سياسي ودبلوماسي أوسع، خاصة بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر، معتبرة أن ما جرى قد يشكل رسالة ضغط موجهة إلى مدريد في لحظة إقليمية حساسة. غير أن هذه القراءة تبقى ضمن تقديرات المصادر التي تحدثت إلى المنصة.
وتذهب بعض القراءات السياسية التي اطلعت عليها “صدى الحقيقة” إلى أن ما يجري يتجاوز كونه أزمة هجرة أو خللا حدوديا، ليصبح جزءا من صراع سياسي داخل إسبانيا نفسها. ووفق هذه القراءة، فإن الأزمة الحالية قد تخدم أطرافا داخل مؤسسات الدولة الإسبانية العميقة وبالخصوص اليمين الإسباني، تتقاطع مصالحها مع الرباط في زيادة الضغط على حكومة بيدرو سانشيز اليسارية، خصوصا بعد التحولات التي شهدتها علاقات مدريد الإقليمية، ومنها الزيارة الأخيرة إلى الجزائر. وترى هذه القراءة أن موجة العبور وضعت حكومة سانشيز أمام أزمة أمنية وسياسية معقدة، ووفرت لخصومها الداخليين مادة جديدة لاتهامها بالعجز عن حماية الحدود وإدارة ملف الهجرة.
في المقابل، تعكس ردود الفعل داخل إسبانيا حجم الارتباك الذي أحدثته الأزمة؛ فقد طالب رئيس حكومة سبتة خوان فيفاس بإعلان حالة الطوارئ وفرض قيادة مركزية للأزمة، داعيا إلى تدخل استثنائي للدولة، بينما رفضت حكومة بيدرو سانشيز هذا الطرح، مفضلة تعزيز التعاون الأمني مع المغرب والإسراع في عمليات إعادة المهاجرين، وهو ما يعكس انقساما واضحا داخل مؤسسات الدولة الإسبانية بشأن كيفية التعامل مع التطورات المتسارعة على حدود سبتة.
