تقرير – الولايات المتحدة الأمريكية
في واحدة من أبرز الانتكاسات السياسية التي تواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال ولايته الثانية، حقق الحزب الديمقراطي انتصارا واسعا وتاريخيا في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وتمكن من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ من الحزب الجمهوري، في نتيجة عكست حجم الغضب الشعبي من سياسات الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة.
وجاءت أهمية هذه النتائج من الاعتراف الذي قدمه ترمب نفسه بدور الحرب في خسارة حزبه، إذ قال في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز: «أعتقد أن جزءا من ذلك كان إيران»، كما قال لصحيفة وول ستريت جورنال: «إيران كانت جزءاً من الأمر».
وبذلك أقر الرئيس الأمريكي بأن الحرب على إيران التي دخلتها إدارته في فبراير الماضي لم تكن مجرد ملف خارجي، بل تحولت إلى عامل مؤثر في الحسابات الانتخابية الداخلية، رغم إصراره على الدفاع عن قراره العسكري، وقوله إنه اتخذ القرار الصحيح وإنه كان سيكرره.
أظهرت نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر تحولا واسعا في الخريطة السياسية الأمريكية، بعدما تمكن الديمقراطيون من السيطرة على مجلسي الكونغرس، محققين مكاسب في ولايات ومناطق كانت محسوبة تقليديا على الجمهوريين.
ومن أبرز الأرقام والمؤشرات التي رافقت الانتخابات:
- مجلسا الكونغرس: انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
- أكثر من 24 مقعدا: خسر الجمهوريون أكثر من عشرين مقعدا في مجلس النواب، وفق الحصيلة الأولية التي أوردتها التغطيات الانتخابية.
- 70% من الناخبين: أيدوا أن يمارس الكونغرس دورا أكبر في مراقبة الرئيس ووضع الضوابط على سلطاته.
- نحو 50% من الناخبين: اعتبروا الانتخابات فرصة لتوجيه رسالة رفض سياسية لترمب.
- نحو 75%: قالوا إنهم غاضبون أو غير راضين عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد.
ولم تقتصر الهزيمة على المقاعد البرلمانية، بل امتدت إلى معاقل جمهورية تقليدية؛ إذ فاز الديمقراطيون بمقاعد بارزة في تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية، في تحولات انتخابية حملت دلالات تتجاوز المنافسة المحلية إلى تقييم أداء الرئيس وحزبه.
وفي تكساس، فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بمقعد في مجلس الشيوخ، منهياً غياب الديمقراطيين عن الفوز بمقعد سيناتوري في الولاية منذ 38 عاما. كما حقق الديمقراطيون فوزاً تاريخياً في كانساس، بينما تمكنوا من انتزاع مقعد في كارولاينا الجنوبية التي كان ترمب قد فاز بها بفارق يقارب 18 نقطة في انتخابات 2024.
كان الملف الإيراني أحد أبرز العوامل التي أثرت في المزاج الانتخابي الأمريكي، خصوصا بعدما امتدت تداعيات الحرب إلى الاقتصاد والأسواق وأسعار الوقود.
فالحرب التي بدأت في فبراير، ودخلت شهرها التاسع تسببت في اضطرابات بإمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج، ورفعت المخاوف من استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، في وقت كان ترمب قد بنى جزءا مهما من عودته إلى البيت الأبيض على وعود خفض الأسعار وتجنب الحروب الجديدة.
ووجد الديمقراطيون في هذه التطورات فرصة لمهاجمة السياسة الاقتصادية والعسكرية للإدارة، وربطوا بين قرار الحرب وبين ارتفاع تكلفة الوقود والسلع، مؤكدين أن المواطن الأمريكي أصبح يتحمل فاتورة قرارات السياسة الخارجية.
وتشير استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع إلى أن قرابة 9 من كل 10 ناخبين اعتبروا تكاليف المعيشة عاملاً مهما أو رئيسيا في تحديد تصويتهم، فيما حمّل نحو ثلثي الناخبين ترمب مسؤولية ارتفاع الأسعار.
وهنا تبرز العلاقة المباشرة بين الحرب والانتخابات، فالناخب الأمريكي لم يعد ينظر إلى الصراع مع إيران باعتباره مواجهة عسكرية بعيدة، بل بات يربطه بما يدفعه يومياً في محطات الوقود والمتاجر.
انعكست المخاوف من الحرب ومن اضطراب الإمدادات على أسواق الطاقة العالمية. وفي تعاملات الأربعاء 4 نوفمبر، تراجع سعر خام برنت بنحو 1.92 دولار للبرميل، أي بنسبة 1.85%، ليصل إلى 101.68 دولار، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بنحو 1.75 دولار، أو 1.82%، إلى 94.34 دولار للبرميل.
وجاء التراجع وسط رهانات المستثمرين على أن خسارة الجمهوريين للكونغرس قد تدفع ترمب إلى البحث عن تسوية سياسية تنهي الحرب مع إيران.
لكن هذه الأسعار ظلت مرتفعة، بما يعكس استمرار المخاوف بشأن تدفقات النفط من الخليج، وعدم اليقين بشأن مستقبل المواجهة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الحرب لم تعد قضية سياسية داخل واشنطن فحسب، بل أصبحت عاملا مؤثرا في أسواق الطاقة العالمية، وفي حسابات الدول المستوردة للنفط والغاز.
أحد أبرز التفسيرات السياسية للهزيمة يرتبط بالتناقض بين الخطاب الذي اعتمد عليه ترمب في انتخابات 2024 والواقع الذي واجهته إدارته في 2026.
فقد عاد ترمب إلى البيت الأبيض متعهدا بإعطاء الأولوية للاقتصاد الأمريكي، وخفض التضخم، وتجنب إدخال البلاد في حروب جديدة.
لكن قراره شن الحرب على إيران وضعه أمام اختبار سياسي صعب، خصوصا أن المواجهة استمرت أشهرا، ورافقها ارتفاع في أسعار الطاقة ومخاوف من توسع الصراع في الشرق الأوسط.
وبحسب استطلاعات الناخبين، فإن ثلاثة أرباع المشاركين تقريبا كانوا غاضبين أو غير راضين عن مسار البلاد، بينما رأى نصفهم تقريباً أن الانتخابات فرصة لمحاسبة ترمب سياسيا.
وبذلك لم تكن الحرب وحدها موضوع التصويت، لكنها أصبحت جزءا من تقييم أوسع لأداء الإدارة، إلى جانب التضخم والرسوم الجمركية وتكاليف المعيشة والفساد.
ماذا تعني خسارة الكونغرس لترمب؟
سياسيا تعني خسارة مجلسي النواب والشيوخ دخول الولايات المتحدة مرحلة من الانقسام المؤسسي، بعدما أصبح البيت الأبيض جمهوريا والكونغرس تحت سيطرة الديمقراطيين.
ومن المنتظر أن تترتب على ذلك عدة نتائج:
- زيادة الرقابة على الإدارة: يستطيع الديمقراطيون فتح تحقيقات وجلسات استماع بشأن القرارات العسكرية والإنفاق الحكومي.
- الضغط بشأن حرب إيران: سيصبح تمويل العمليات العسكرية والاستراتيجية المتبعة موضع نقاش ومواجهة داخل الكونغرس.
- عرقلة التعيينات: يستطيع مجلس الشيوخ استخدام صلاحياته في تعطيل أو رفض عدد من التعيينات الرئاسية.
- تعقيد التشريعات: سيواجه ترمب صعوبة أكبر في تمرير القوانين المرتبطة ببرنامجه الاقتصادي والسياسي.
- تراجع النفوذ الانتخابي لترمب: ستفتح النتائج الباب أمام نقاشات داخل الحزب الجمهوري بشأن مستقبل القيادة والخيارات الانتخابية في 2028.
ومع ذلك، لا تعني سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قدرتهم تلقائيا على إنهاء الحرب؛ فالرئيس يحتفظ بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والعمليات العسكرية، كما يستطيع استخدام حق النقض ضد التشريعات التي لا يوافق عليها.
في طهران، قوبلت النتائج بارتياح سياسي، إذ اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الناخبين الأمريكيين وجهوا رسالة رفض للحرب.
وقال قاليباف إن الأمريكيين قالوا «لا للحرب»، في إشارة إلى المكاسب الديمقراطية وتراجع الحزب الذي يقود المواجهة العسكرية ضد إيران.
لكن التطورات الانتخابية لا تعني بالضرورة أن واشنطن ستغير سياستها تجاه طهران بصورة فورية؛ إذ تظل ملفات البرنامج النووي والعقوبات وأمن الملاحة في الخليج والعلاقة مع إسرائيل محددات رئيسية لمسار الأزمة.
كما أن قراءة طهران للنتائج باعتبارها دليلا على ضعف الموقف الأمريكي قد تؤثر في حسابات التفاوض، وربما تدفع الطرفين إما إلى استثمار اللحظة في التوصل إلى تسوية، أو إلى تصعيد جديد إذا فشلت الاتصالات السياسية.
تكشف انتخابات الكونغرس لعام 2026 عن حقيقة سياسية مهمة، تكمن في أن القرارات العسكرية الخارجية لا تبقى دائما خارج الحسابات الانتخابية الداخلية، خصوصا عندما تتحول تكلفتها إلى عبء اقتصادي على المواطنين.
فقد خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس، وأظهرت استطلاعات الخروج أن نحو 90% من الناخبين أعطوا تكاليف المعيشة أهمية في تصويتهم، فيما أيد 70% منهم تعزيز دور الكونغرس في مراقبة الرئيس.
أما ترمب، فقد قدم بنفسه إقرارا سياسيا بأن ملف إيران كان أحد أسباب الخسارة، لكنه لم يتراجع عن قراره العسكري.
وهنا تكمن المفارقة، الرئيس الأمريكي الذي خاض الحرب دفاعا عن أهداف إدارته الاستراتيجية، وجد نفسه أمام فاتورة انتخابية داخلية، بعدما انتقلت تداعيات الحرب من ساحات المواجهة في الشرق الأوسط إلى جيوب الناخبين الأمريكيين وصناديق اقتراعهم.
فهل تدفع خسارة الكونغرس ترمب إلى البحث عن مخرج تفاوضي من الحرب مع إيران، أم أنه سيواصل حربه العبثية رغم الكلفة السياسية والاقتصادية التي كشفت عنها الانتخابات؟
