الناظور – المغرب
تتواصل بمدينة الناظور، شمال شرق المغرب، المآسي المرتبطة بمحاولات الهجرة غير النظامية نحو مدينة مليلية المحتلة، في ظل تزايد حالات غرق شباب وأطفال مغاربة، واستمرار العثور على جثامين يلفظها البحر على جانبي الحدود، بينما تواجه عشرات الأسر حالة من الغموض بشأن مصير أبنائها المفقودين، وسط انتقادات حقوقية لما تصفه بـ”الصمت الرسمي” وغياب آليات فعالة للكشف عن هوية الضحايا.
وفي بيان للرأي العام، حمل فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور السلطات المغربية مسؤولية التقاعس عن اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الحق في الحياة وضمان كرامة الضحايا وعائلاتهم، مشيرا إلى أن الظاهرة بلغت مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وكشف الفرع الحقوقي أنه سبق أن وجه مراسلات رسمية إلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ووزير الداخلية، وعامل إقليم الناظور، إضافة إلى القنصل الإسباني بالناظور، من أجل التنبيه إلى خطورة الوضع والمطالبة بتدخل عاجل.
وبحسب الجمعية، فإن القنصل الإسباني كان الجهة الوحيدة التي تفاعلت مع هذه المراسلات، في حين لم يصدر أي رد من باقي المؤسسات المعنية، وهو ما اعتبرته مؤشرا على غياب الإرادة المؤسساتية لمعالجة الملف، رغم تكرار حوادث الغرق واختفاء المهاجرين.
وتقول الجمعية إنها تتلقى بشكل مستمر طلبات مؤازرة من عائلات فقدت الاتصال بأبنائها بعد محاولتهم العبور بحرا نحو مليلية، في وقت تفتقر فيه الأسر إلى معلومات رسمية حول مصير المفقودين.
وتشير إلى غياب منظومة فعالة للتنسيق بين السلطات المغربية والإسبانية، خصوصا فيما يتعلق بتبادل نتائج تحاليل الحمض النووي والتعرف على الجثامين، الأمر الذي يترك الأسر في حالة انتظار قد تمتد لأشهر أو سنوات، دون معرفة ما إذا كان ذووها على قيد الحياة أو في عداد المتوفين.
وترى الجمعية أن هذا الوضع يشكل انتهاكا لحق العائلات في معرفة مصير أقاربها، ويضاعف من معاناتها النفسية والاجتماعية، في تعارض مع المبادئ الدولية المتعلقة بحماية الضحايا وذويهم.
ومن بين الوقائع التي أثارت استنكار الجمعية، ما قالت إنه دفن جثمان شاب مغربي بمقبرة مليلية خلال الأسبوع الجاري مجهول الهوية، بعدما كان البحر قد لفظه على سواحل المدينة أواخر شهر دجنبر الماضي.
ووفق البيان، فإن عملية الدفن تمت دون استنفاد جميع إجراءات التعرف على هوية الضحية أو إشعار عائلته، وهو ما اعتبرته الجمعية انتهاكا لحق الأسرة في استلام جثمان ابنها ودفنه بما يحفظ كرامته، وإخلالا بالتزامات السلطات في بذل العناية اللازمة لتحديد هوية الضحايا قبل دفنهم.
ويربط فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور تصاعد هذه المآسي بالتحولات التي عرفتها الحدود مع مليلية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تشديد شروط الولوج إلى المدينة وإخضاعها للحصول على تأشيرة “شنغن”، دون اعتماد برامج اقتصادية وتنموية بديلة لفائدة المنطقة.
وبحسب الجمعية، فقد أدى ذلك إلى دفع أعداد متزايدة من الشباب والقاصرين إلى سلوك طرق بحرية أكثر خطورة، في ظل البطالة وانسداد الآفاق الاقتصادية، معتبرة أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تستوجب سياسات تنموية توفر بدائل حقيقية للهجرة.
واعتبر البيان أن استمرار هذه الوقائع يثير تساؤلات حول مدى احترام الالتزامات الدولية للمغرب، وعلى رأسها المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحماية الحق في الحياة، إلى جانب مقتضيات الفصلين 20 و22 من الدستور المغربي اللذين ينصان على حماية الحق في الحياة وصون السلامة الجسدية والمعنوية.
وطالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور بفتح تنسيق مؤسساتي دائم مع السلطات الإسبانية بمدينة مليلية لتبادل نتائج تحاليل الحمض النووي والتسريع في تحديد هوية الجثامين، مع تبسيط الإجراءات الإدارية أمام عائلات المفقودين.
كما دعت إلى تحمل الدولة المغربية مسؤوليتها في حماية الحق في الحياة، وضمان نقل مجاني ومنظم لجثامين المتوفين تحت إشراف السلطات العمومية، للحد من ما وصفته بظاهرة السمسرة في نقل الجثامين، إضافة إلى اعتماد سياسات تنموية تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى الهجرة عبر مسارات محفوفة بالمخاطر.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش حول الكلفة الإنسانية المتزايدة للهجرة غير النظامية في منطقة شمال المغرب، حيث لا تزال عشرات الأسر تعيش على أمل معرفة مصير أبنائها، بينما تستمر مياه البحر في كشف فصول جديدة من مأساة إنسانية لم تجد، حتى الآن، طريقها إلى حلول مستدامة.
