تقرير – سبتة
في الوقت الذي كانت فيه البلاد تستعد للاحتفال بعيد العرش، وفي الوقت الذي حمل فيه الخطاب الملكي رسائل عن مسار التنمية، والمشاريع الكبرى، والتحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية، كانت صورة أخرى تتشكل على بُعد أمتار قليلة من الحدود؛ آلاف الأطفال والشباب المغاربة ينزحون ويهربون نحو سبتة، يركضون خلف احتمال ضئيل لحياة مختلفة، ويتركون خلفهم كل تلك الشعارات والخطابات التي تتحدث عن التقدم والازدهار.
إنها ليست مجرد صورة عابرة على شريط الأخبار، وليست فقط أزمة هجرة جديدة تُضاف إلى قائمة الأزمات الأمنية. إنها صورة تختصر تناقضا عميقا بين خطاب رسمي يقدّم بلدا يسير بثقة نحو المستقبل، وواقع يدفع الآلاف من أطفاله وشبابه إلى المخاطرة بحياتهم من أجل عبور سياج أو الوصول إلى مدينة لا تفصلهم عنها سوى مسافة قصيرة.
ما حدث على تخوم سبتة جاء كصفعة رمزية في توقيت شديد الحساسية. ففي الوقت الذي كان الخطاب الرسمي يعدد المنجزات، كانت الحدود تعرض سؤالا مختلفا تماما، ماذا عن الشباب الذين لم تصل إليهم هذه الإنجازات؟ ماذا عن القاصرين الذين يرون في البحر والسياج طريقا للخلاص؟
ويعيد إلى الواجهة سؤالا ظل حاضرا منذ سنوات، هل وصلت ثمار النمو التي يتحدثون عنها في الخطابات إلى الشعب المغربي؟ وهل يشعر الشباب في المناطق المهمشة بأنهم جزء من هذا المغرب الذي يُقدَّم في الخطابات الرسمية؟ أم أن هناك فجوة تتسع بين مغرب المشاريع الكبرى ومغرب المواطن الذي يكافح يوميا من أجل فرصة عمل وعيش كريم؟
في أي دولة تُربط فيها المسؤولية بالنتائج، كانت مثل هذه المشاهد، ستسقط الحكومة والأحزاب وكل الفاعلين وستفتح نقاشا سياسيا واسعا حول أسباب هذا النزوح والهروب الجماعي، وحول مدى نجاح السياسات الاجتماعية والاقتصادية في حماية الفئات الأكثر هشاشة. لأن فشل الدولة لا يظهر فقط في غياب المشاريع، بل يظهر أيضا عندما تعجز عن إقناع مواطنيها بأن مستقبلهم يوجد داخل حدودها.
قد يكون من السهل الاحتفاء بالمشاريع الكبرى، وقد يكون من السهل تقديم صورة مشرقة عن المستقبل، لكن أصعب اختبار لأي دولة هو أن تنظر إلى حدودها صباح اليوم وأن تسأل لماذا يهرب أبناؤها منها؟
ستبقى صورة طفل أو شاب يقفز نحو سبتة صبيحة عيد العرش والاحتفال الرسمي بالإنجازات، أكثر بلاغة من عشرات الخطب. لأنها تضع أمام الجميع السؤال الذي لا يمكن تجاهله، هل وصلت التنمية فعلا إلى الإنسان المغربي، أم أنها ما زالت تبحث عن طريقها إليه؟
