- عماد العتابي
لم يعد مقبولا أن يُطلب منا الصمت أو أن نُتّهم بالمبالغة كلما طرحنا أسئلة مشروعة حول ما يجري في بلدنا. لأن ما نراه اليوم ليس مجرد “حوادث معزولة” ولا سوء تقدير، بل مؤشرات متراكمة تفرض علينا أن نتوقف ونسمّي الأشياء بمسمياتها.
لا نقول إن هناك “إسرائيل جديدة” تُبنى حرفيا في المغرب، لكننا نقول بوضوح، هناك مسار تطبيع يتجاوز حدوده الطبيعية، ويتحوّل تدريجيا إلى اختراق ناعم لمجالات حساسة، وعلى رأسها التعليم، والفضاء الثقافي، وبعض المناطق ذات الخصوصية الاجتماعية.
حين يُرفع علم “إسرائيل” داخل مؤسسة تعليمية، وتُستغل براءة الأطفال ويدفعون لرفع علم “كيان مجرم” فهذا ليس “نشاطا تربويا بريئا”. لأن المدرسة ليست فضاء محايدا فارغا، بل هي مصنع وعي. وأي اختلال في هذا الفضاء هو اختلال في تشكيل الأجيال.
وحين نرى تحركات غريبة لأشخاص يحملون الجنسية “الإسـ.رائيلية” في مناطق حساسة في الريف ومناطق أخرى في المغرب، بتصرفات مستفزة أو غير مفهومة، فمن حقنا أن نتساءل، هل نحن أمام سياحة عادية، أم أمام اختبار لردود الفعل؟
ولماذا يُطلب منا دائما أن نحسن الظن، بينما الوقائع تدفع إلى العكس؟
الأمر لا يتعلق برفض الأجانب، ولا بعداء لليهود كدين أو ثقافة. لكن هناك فرق كبير بين التعايش، وبين فتح الباب دون ضوابط أمام أجندات سياسية لـ “إسرائيل”، التي لها تاريخ واضح في استغلال كل الثغرات الممكنة لخدمة مشاريعها الاستيطانية والتصفوية.
التاريخ لا يُقرأ للزينة. فما وقع في فلسطين لم يبدأ باحتلال مباشر، بل بدأ بتفاصيل صغيرة تم التقليل من شأنها. نعم، السياق مختلف، لكن من الغباء أن نتصرف وكأن دروس التاريخ لا تعنينا.
نحن لا نروّج لنظريات مؤامرة، لكننا نرفض أيضا أن نُعامل كمن لا يرى. هناك شيء يتغيّر في المغرب، وهناك تسارع في وتيرة هذا التغيير، ومن حقنا كمواطنين أن نفهم: إلى أين نحن ذاهبون؟
الخلاصة التي يجب أن تُقال دون خوف، ما يحدث اليوم ليس مجرد “تطبيع” عادي، بل انزلاق خطير نحو وضع يفقد فيه المغرب قراره شيئا فشيئا. وحين تتكاثر المؤشرات، وحين يستمر الصمت الرسمي، وحين تُمرَّر الاختيارات الكبرى بعيدا عن إرادة الناس، فلا معنى لدفن الرؤوس في الرمال.
يجب القول بوضوح أن هناك مؤشرات مقلقة ومتزايدة بأن القرار السيادي لم يعد بيد المغاربة، وأن النفوذ الإسرائيلي/الصهيوني أصبح حاضرا بشكل يطرح أكثر من علامة استفهام. قد يرفض البعض هذا الكلام، لكن تجاهله لا يغيّر من الواقع شيئا.
إذا استمر هذا المسار التطبيعي بهذه الوتيرة، فنحن لا نتحدث فقط عن اختلال ميزان القوة لصالح قوة خارجية تأتي على الأخضر واليابس، وفقدان القرار السيادي للمغرب، بل عن إعادة تشكيل ميزان القرار داخل البلد، بطريقة لا يملك المواطن فيها لا المعلومة ولا التأثير. وهنا مكمن الخطر الحقيقي.
