- إلياس المرابط
في يناير 2015، أعلنت الحكومة المغربية عن خطوة وصفها مؤيدوها بالإصلاح الهيكلي الكبير: رفع الدعم عن المحروقات وتحرير أسعارها وفق آليات السوق. كان الخطاب الرسمي يومئذ يستحضر لغة الحداثة الاقتصادية: شفافية، تنافسية، ترشيد للنفقات العمومية. غير أن المواطن المغربي، الذي لم يُستشَر في هذه المعادلة، سرعان ما اكتشف أن “التحرير” لا يعني تحرره هو، بل تحرير الشركات من أي قيد يحكم هوامش أرباحها (les marges bénéficiaires). أما ثمن هذه الليبرالية المُعلَنة، فقد دُفع نقداً من جيوب الفئات الأكثر هشاشة.
التحرير في صيغته الكلاسيكية يفترض شروطاً موضوعية لا غنى عنها: تعددية حقيقية في المنتجين، آليات رقابية فاعلة، ومستهلكاً يملك قدرة المفاضلة والاختيار. أما ما حدث في المغرب فلم يكن سوى “قفزة في الفراغ”: تخلَّت الدولة عن دورها الحمائي دون أن ترسي منظومة ضبط بديلة، فانتقل عبء الدعم من الميزانية العامة إلى جيب المستهلك، فيما ظلت الأرباح محصورة في يد أوليغارشية محدودة الأسماء، بعيدة عن أي رقابة فعلية. هذه الفجوة بين الخطاب الليبرالي والواقع الريعي هي ما يُحاول هذا المقال تشريحه.
أولا: لاسامير، سؤال لا جواب له
لا يمكن قراءة ملف المحروقات في المغرب دون الوقوف أمام مصفاة لاسامير بالمحمدية، ذلك الجرح المفتوح في بنية السيادة الطاقية الوطنية. كانت المصفاة، إبان نشاطها، تُكرِّر ما بين ست وسبع ملايين طن من النفط الخام سنوياً، وتُؤمن للمغرب هامشاً من الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع الاستراتيجي. منذ توقفها عام 2015 وتفكيكها نهائيا لاحقاً، انزلق المغرب من موقع “المُكرِّر” إلى موقع “المستورد للمواد المكررة”، وهو فارق جوهري ليس في الأرقام فحسب، بل في منطق التبعية ذاتها.
الفاتورة الطاقية ارتفعت بصورة ملحوظة جراء هذا التحول، إذ بات المغرب يستورد المشتقات النفطية بأسعار السوق الدولية في أعلى حلقاتها قيمةً، بدل أن يستورد النفط الخام ليُكرِّره بتكلفة أدنى. لكن السؤال الأعمق ليس اقتصادياً محضاً: لماذا تعثَّرت كل محاولات إعادة تشغيل المصفاة أو استقطاب مستثمر بديل؟ لماذا يبقى هذا الملف حبيس دهاليز المفاوضات القانونية والدائنين الدوليين دون أن تُبادر الدولة إلى حسمه كأولوية سيادية؟
الجواب الذي يتجنبه الخطاب الرسمي هو أن إعادة تشغيل المصفاة ستُعيد هيكلة السوق بأكملها، وستُفضي حتماً إلى خفض هوامش أرباح (les marges bénéficiaires) كبار المستوردين. وهنا يكمن التناقض المُسكوت عنه: غياب التكرير الوطني ليس مشكلة تقنية عاجزة الدولة عن حلها، بل هو وضع يخدم أطرافاً بعينها، ويُرسِّخ نموذج اقتصاد الريع بدل اقتصاد الإنتاج.
ثانياً: الريع بلا نفط، المفارقة المغربية
تكتسب الحالة المغربية خصوصيتها من مفارقة لافتة في تاريخ الاقتصاد السياسي المقارن: فالمغرب دولة لا تمتلك نفطاً، ومع ذلك نجحت نخبتها الاقتصادية في استنبات ريع طاقوي داخلي يُضاهي في مردوديته ما تحصده شركات في دول نفطية خاضعة للمنافسة. الآلية بسيطة في منطقها وبالغة التعقيد في اشتغالها: يُستورد النفط المكرر بأسعار الأسواق الدولية، ثم يُباع للمستهلك المحلي بأسعار “متوافق عليها” ضمنياً عبر ما يمكن تسميته بالتواطؤ السعري (collusion tarifaire) بين شركات التوزيع، في غياب منافس جديد قادر على كسر هذا السقف. الفارق بين سعر الاستيراد والسعر المحلي لا يذهب إلى خزينة الدولة ولا إلى جيب المواطن، بل يتبخر في هوامش أرباح يصعب تفسيرها اقتصادياً إلا في ضوء منطق احتكار القلة (l’oligopole).
هذا ما يمكن تسميته بـ”الريع الجيوسياسي المركب” (la rente géopolitique composite): فالمغرب يُحوِّل موقعه كمستورد محوري لمنطقة تعاني شح البنى التحتية للتكرير، إلى رافعة لتمكين شركات الوساطة والتوزيع من احتجاز قيمة مضافة ضخمة لم تُنتجها. المفارقة أن شركات في دول تمتلك النفط وتعمل في سياقات تنافسية أكثر انفتاحاً تجني أرباحاً أقل كنسبة من الهامش، مقارنة بما تحصده شركات التوزيع المغربية من سوق هو، في جوهره، سوق مُقيَّد. الريع إذن ليس امتيازاً تمنحه طبيعه الأرض، بل هو بناء سياسي-اقتصادي يحتاج إلى صيانة مستمرة: صيانة تتم في غرف مغلقة بعيداً عن الرأي العام.
ثالثاً: بنية السوق، كارتيل في ثوب التنافسية
إذا كان توقف لاسامير قد أفضى إلى تبعية هيكلية في جانب العرض، فإن بنية التوزيع المحلي تُكمل الصورة من الجانب الآخر. يهيمن على سوق المحروقات في المغرب عدد محدود من الشركات الكبرى في إطار احتكار القلة، في غياب شبه تام لأي منافس جديد قادر على تكسير هذا الاحتكار الفعلي.
تقارير مجلس المنافسة، لا سيما تلك الصادرة في أعقاب الجدل الذي أثارته اللجنة الاستطلاعية البرلمانية، كشفت عن حقائق دامغة: هوامش أرباح غير مبررة بالمقارنة مع الأسواق الإقليمية المشابهة، وتحرك موحد للأسعار يصعب تفسيره في ظل افتراض المنافسة الحقيقية. المصطلح الذي يستدعيه هذا النمط في أدبيات الاقتصاد السياسي هو التواطؤ الضمني (la collusion implicite) أو الكارتيل الناعم (le cartel tacite): شركات لا توقّع اتفاقيات مكتوبة، لكنها تتصرف كما لو كانت تفعل.
والأخطر من الأرقام هو البنية التي تُنتجها: حين يتحول الفاعلون الاقتصاديون في قطاع المحروقات إلى ضيوف دائمين في مراكز صنع القرار، أو حين تتشابك مصالحهم مع المؤسسات الرقابية المفترض أنها تُراقبهم، نصل إلى ما يُسميه علماء الاقتصاد السياسي “التقاط الدولة” (la captation de l’État): لم تعد الدولة تضبط السوق، بل السوق هو من يُشكِّل الدولة وفق مصالحه. في هذا السياق، لا يُصبح مجلس المنافسة أداةً لضرب الاحتكار، بل في أحسن الأحوال شاهداً على ما يجري يُصدر تقارير لا يتبعها تغيير.
رابعاً: المستهلك الأسير، حين يُحرَّر ما لا يقبل التحرير
ثمة مفهوم محوري في الاقتصاد السياسي غاب عن النقاش المغربي حول تحرير المحروقات، وغيابه ليس بريئاً: مفهوم مرونة الطلب. المحروقات، بطبيعتها، سلعة ذات طلب غير مرن (demande inélastique)؛ أي أن المستهلك الأسير (le consommateur captif) لا يملك ترف الامتناع عن شرائها حين يرتفع ثمنها، لأنها ليست سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل هي شريان حياة يومي: نقل للعمل، توصيل للبضائع، طهي. ارتفاع السعر لا يُقلِّص الطلب، بل يُقلِّص ما تبقى من دخل العائلة بعد سداد هذا الثمن الإجباري.
“تحرير” سلعة بهذه الخصائص في ظل احتكار القلة لا يعني فتح المجال للمنافسة، بل يعني إنتاج ما يمكن وصفه بـ”المصيدة الاقتصادية” (le piège économique) المكتملة الأركان: مستهلك أسير مضطر للشراء مهما كان الثمن، وبائع محمي من أي منافسة حقيقية، وسلطة رقابية لا تملك أسنان الإلزام. المواطن في هذه المعادلة ليس طرفاً في سوق يملك حرية الاختيار، بل هو رهينة اقتصادية لا يتذرع بها أحد.
خامساً: الدولة المستفيد الصامت، تناقض الضريبة والسعر
يُضاف إلى هذا المشهد بُعد يغفله كثير من المحللين لأنه يمس صورة الدولة كحَكم نزيه: الدولة ذاتها ليست خارج معادلة الريع، بل هي طرف مستفيد صامت منها. حين يرتفع سعر الوقود، ترتفع معه حصيلة الضريبة على القيمة المضافة وضريبة الاستهلاك الداخلي (TIC — Taxe Intérieure de Consommation) المفروضة على المحروقات، إذ تُحتسب هذه الضرائب بنسب من القيمة الإجمالية للمبيع، لا بمبالغ ثابتة مستقلة عن السعر.
يخلق هذا الواقع تضارباً عضوياً في المصالح (conflit d’intérêts structurel) يصعب القفز فوقه: الدولة المطلوب منها التدخل للجم الأسعار الجامحة هي نفسها التي تنتعش خزانتها بارتفاعها. كل زيادة في سعر الغازوال تُضخ جزء منها تلقائياً في حسابات الخزينة العامة دون أن تتكبد الدولة أي جهد استخلاص إضافي. هذا لا يعني أن الدولة “تتآمر” بوعي على مستهلكيها، بل يعني أن بنية الحوافز مُصممة بطريقة تجعل التدخل الحقيقي لخفض الأسعار مكلفاً مزدوجاً: خسارة سياسية أمام الشركات النافذة، وخسارة مالية من باب الضريبة. وحين تتزامن الكلفتان، يصبح التقاعس هو الخيار “العقلاني” مؤسسياً، وإن كان مجحفاً اجتماعياً.
سادساً: التداعيات الاجتماعية، الغازوال والخبز وجهان لعملة واحدة
حين يرتفع سعر الغازوال، لا يرتفع وحده. تعقبه موجة صامتة تسري في شرايين الاقتصاد غير الرسمي والرسمي على حدٍّ سواء: ترتفع أسعار نقل البضائع، فترتفع تبعاً لذلك أسعار الخضر والفواكه في أسواق الأحياء الشعبية، ويتمدد الغلاء ليبتلع مداخيل الأسر الأكثر اعتماداً على الاستهلاك اليومي. هذا ما يُسميه الاقتصاديون التضخم المستورد (l’inflation importée)، وإن كان التضخم الذي يعانيه المغاربة اليوم مستورداً جزئياً من الخارج، ومُصنَّعاً جزئياً في الداخل.
بيانات المندوبية السامية للتخطيط تُظهر باستمرار أن الطبقات الدنيا والوسطى هي الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة، نظراً لكون نسبة أكبر من دخلها تذهب للنقل والسلع الأساسية. في المقابل، لم يُصنِّف أي قانون مالي حتى اللحظة هذا الاختلال التوزيعي (le déséquilibre distributif) باعتباره أولوية تستدعي تدخلاً هيكلياً. الدولة التي تخلَّت عن دورها الحمائي بذريعة منطق السوق الحر، تكشف في واقع الأمر عن نموذج انتقائي: سوق حر حين يتعلق الأمر برفع القيود عن الشركات الكبرى، وسوق يترك المستهلك الأسير (le consommateur captif) وحيداً حين يتعلق الأمر بحمايته.
سابعاً: غياب الشفافية، السعر الذي لا يُشرح
من أكثر ما يُثير التساؤل في ملف المحروقات المغربي أن المستهلك لا يُدرك، ولا يُمكَّن من أن يُدرك، كيف يتشكل السعر الذي يدفعه. ما هي آلية احتساب هوامش الأرباح المسموح بها؟ ما الجهة التي تتحقق من صدق الأرقام التي تُقدمها الشركات؟ وما مدى إلزامية توصيات مجلس المنافسة على أرض الواقع؟
هذا الغموض ليس صدفة إدارية، بل هو مكوِّن بنيوي في منظومة الريع: الشفافية تعني محاسبة، والمحاسبة تعني إعادة توزيع القوة. الإبقاء على منطقة الظل حول تشكُّل الأسعار يُعطي لأصحاب النفوذ الاقتصادي هامشاً واسعاً من المناورة بعيداً عن الضغط الشعبي أو الرقابة المؤسسية. وفي غياب صحافة اقتصادية استقصائية قادرة على سد هذا الفراغ، يبقى المشهد مُتحكَّماً فيه بدقة.
خاتمة: المحروقات ، الاختبار الحقيقي للنموذج التنموي
النقد لا قيمة له ما لم يفتح نافذة على ممكنات الإصلاح. وفي حالة ملف المحروقات، تبدو المخارج واضحة المعالم حتى وإن بدت ثقيلة الكلفة السياسية.
أولها، إعادة بناء السيادة الطاقية الوطنية من خلال إعادة تشغيل طاقة التكرير، سواء عبر إعادة تأهيل لاسامير أو استقطاب شراكات دولية مُقيَّدة بضمانات سيادية صريحة. هذا ليس خياراً اقتصادياً وحسب، بل هو شرط لاستعادة هامش المبادرة في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
وثانيها، تفعيل حقيقي لمجلس المنافسة بصلاحيات مُلزِمة وليست استشارية، وبحماية مؤسسية تُحصِّنه من ضغوط الفاعلين الاقتصاديين الكبار. الرقابة الفعلية على هوامش الأرباح، ونشر بيانات الأسعار بصيغة قابلة للتدقيق العلني، خطوات لا يمكن الاستغناء عنها.
وثالثها، على المدى المتوسط، دراسة فرض ضريبة استثنائية على الأرباح الفاحشة (taxation des superprofits) لشركات توزيع المحروقات، على غرار ما اعتمدته دول أوروبية عدة في سياق أزمة الطاقة عام 2022، وإعادة توجيه حصيلتها نحو تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية للفئات الهشة.
غير أن هذه المقترحات ستظل منقوصة الأثر ما لم تُطرح في سياقها الأشمل: ملف المحروقات لم يعد مجرد إشكالية قطاعية تقنية، بل هو اليوم الاختبار الأكثر كشفاً لجدية الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” و”النموذج التنموي الجديد”. فمن العسير الحديث عن عدالة توزيعية (justice distributive) أو دمج اجتماعي في ظل سوق للطاقة محكوم بمنطق الريع، يستنزف القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والدنيا ليُعيد ضخها في حسابات أوليغارشية (oligarchie) لا تُسأل ولا تُحاسب. العدالة الاجتماعية التي تُعلنها الدولة في وثائقها الرسمية ستبقى حبراً على ورق طالما أن أسعار الطاقة تُحدَّد وفق منطق آخر، في غرف أخرى، لحساب أطراف أخرى.
المشكل في نهاية المطاف ليس في الثمن بحد ذاته، بل في آلية تشكُّل هذا الثمن، وفي الغياب المنهجي لأي محاسبة حقيقية. وما لم تُعَد هيكلة موازين القوى بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين المهيمنين، فإن كل إصلاح جزئي لن يكون سوى إعادة توزيع للأعباء على من يحملون أصلاً أكثر مما يطيقون.
