- عماد العتابي
ما جرى في فلسطين لم يظهر فجأة على شكل احتلال شامل، ولم يكن إعلان قيام “الكيان الصهيوني” حدثا مفاجئا. بل سبقه مسار طويل بدأ بشكل متدرّج وهادئ، اتخذ في بدايته مظاهر تبدو عادية، من هجرات محدودة وشراء أراضٍ، واستثمارات تُسوّق كأمر طبيعي، ثم تمدد تدريجي تحت حماية قوى امبريالية، إلى أن تحوّل هذا “العادي” إلى واقع مفروض بالقوة. حينها فقط، اتضح أن ما بدا تفاصيل صغيرة لم يكن سوى مقدمات لمشروع اقتلاع كامل للشعب الفلسطيني.
وهكذا وقع الانحدار، فكانت النتيجة احتلال نصف فلسطين وإعلان قيام الكيان. بعدها سقطت كل الحدود، فتحولت “الهاگانا” من عصابة مسلحة إلى جيش نظامي باسم “جيش الدفاع الإسرائيلي”، وانطلقت مرحلة توسع شرسة، تم خلالها ابتلاع مدن وقرى خارج أي شرعية، إلى أن اكتمل المشهد بفرض احتلال شامل بل تجاوز حتى حدود فلسطين، لتحتل أجزاء من لبنان وسوريا ومصر، وترسيخ واقع بالقوة لا يزال قائما إلى اليوم.
اليوم، ونحن نتابع ما يجري في بعض مناطق المغرب، خصوصا في الريف ومراكش ليلة أمس، يحق لنا أن نطرح السؤال دون تردد، هل نحن بصدد تكرار نفس أخطاء الفلسطينيين في البدايات؟
المعطيات التي تتسرب من الميدان مقلقة. حيث الحديث عن نزع ملكيات السكان تحت ذريعة “المصلحة العامة”، ومحاولة إفراغ مناطق بأكملها من أهلها الأصليين، مقابل فتح الباب أمام استثمارات إسرائيلية بواجهات خليجية وأخرى بوجه إسرائيلي مكشوف، يطرح أكثر من علامة استفهام.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، فتحركات مجموعات “إسرائيلية” في محيط بحيرة مارتشيكا، بتصرفات مستفزة وغير مفهومة، ليست مجرد سياحة عابرة كما يُراد لها أن تُقدم. فالسباحة العارية في فضاء له رمزية اجتماعية، والتردد على أضرحة محلية في الناظور في ظروف غامضة، ثم الانتقال إلى غابات إقليمي بركان والناظور للقيام بما يشبه عمليات مسح ميداني، كل ذلك لا يمكن أن يُقرأ بسذاجة.
فهل هي صدفة أن تتقاطع هذه التحركات مع مشاريع إعادة هيكلة المجال ونزع الأراضي؟ أم أننا أمام خيوط تتشكل بهدوء، في انتظار اللحظة المناسبة لتُنسج في مشروع أكبر؟
الأخطر من ذلك هو احتمال توظيف هذه التحركات لاحقا في ادعاءات “تاريخية” حول ملكية الأرض. هذا السيناريو ليس خيالا، بل تجربة عاشها الفلسطينيون حين تحولت “روايات” تافهة إلى ذرائع قانونية وسياسية لفرض واقع جديد.
وفي مراكش، ما وقع في باب دكالة لم يكن حدثا عابرا. لأن أداء طقوس دينية تلمودية ذات طابع خاص في الفضاء العام، تحت أنظار السلطات وحمايتها، ليس مجرد ممارسة دينية، بل رسالة رمزية قوية. رسالة تقول إن هناك حضورا يتمدد، ويختبر الحدود ويجس نبض الرأي العام، ويرى إلى أي مدى يمكن أن يذهب.
المشكلة ليست في الانفتاح، ولا في استقبال الأجانب، فالمغرب بلد عرف دائما بتعدديته. لكن الفرق كبير بين الانفتاح الواعي، وبين التساهل الذي قد يتحول إلى ثغرة. لأن التاريخ علمنا أن المشاريع الكبرى لا تُفرض دفعة واحدة، بل تتسلل عبر مراحل، مستفيدة من الصمت، أو التبرير والاستهانة.
هل نحن أمام “أسرلة” صامتة لبعض المناطق؟ ربما من المبكر الجزم، لكن المؤكد أن ما يحدث يستحق الانتباه، لأن أخطر ما يمكن أن نقع فيه، هو تكرار نفس الأخطاء، ثم الندم حين يصبح الواقع أقوى من كل اعتراض.
المغرب ليس فلسطين، والسياق مختلف، لكن القوانين التي تحكم التمدد ومشاريع الاحتـلال والسيطرة على الوعي واحدة. وحين تبدأ الدولة المغربية بفقدان سيادتها وأمنها وأدوات دفاعها وتستسلم لـ اللوبيات الصهيـونية ويتغلل الموساد في كل مفاصلها ويتحكم في إقتصادها وسياستها وتجارتها وأمنها الغذائي وجيشها ومجالها الروحي والديني، وحين يُدفع الناس خارج مجالاتهم وأراضيهم وتهدم بيوتهم وأرزاقهم، وحين يظهر حضور “إسـرائيلي” مثير للريبة في مناطق حساسة كـ “الريف”، فإن دق ناقوس الخطر يصبح واجبا.
