تقرير – الرباط
لم تكن جلسة الاثنين 19 أكتوبر 2026، التي قدمت خلالها فاطمة الزهراء المنصوري البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان، مجرد موعد دستوري عادي لعرض الخطوط العريضة لعمل الحكومة الجديدة. لقد تحولت، بفعل التعثرات التي رافقت قراءة النص باللغة العربية الفصحى، إلى مناسبة لإثارة سؤال يتجاوز مخارج الحروف وسلامة النطق إلى جوهر المسؤولية السياسية؛ فمن يحكم فعليا؟ ومن يصوغ القرارات؟ ومن يتحمل مسؤولية تنفيذها؟
فقد رافقت أول إطلالة للمنصوري أمام البرلمان بصفتها رئيسة للحكومة صعوبات في قراءة بعض الكلمات وأخطاء لغوية واضحة. وبينما انشغل جزء من المتابعين بطريقة الإلقاء، رأى آخرون أن الأهم هو مضمون البرنامج وما سيترتب عليه من إجراءات ونتائج. غير أن اختزال الواقعة في مجرد تعثر لغوي يُفوّت فرصة طرح أسئلة سياسية أعمق تتعلق بمدى استيعاب رئيسة الحكومة للبرنامج الذي تعرضه، وقدرتها على الدفاع عن مضامينه وشرح اختياراته، وصولا إلى مدى جاهزية حكومتها لتحويل وعوده إلى سياسات ملموسة على أرض الواقع.
المشكلة ليست في تعثر اللسان وحده، بل في دلالة المشهد السياسي الذي كشفه. فحين يتحول البرنامج الحكومي إلى نص يُقرأ بدل أن يكون مشروعا يُشرح.
من الطبيعي أن يستعين المسؤولون بمستشارين وخبراء لصياغة خطاباتهم وبرامجهم. فلا أحد ينتظر من رئيسة الحكومة أن تكتب بمفردها كل وثيقة حكومية، أو أن تكون خبيرة في كل قطاع من قطاعات الدولة. لكن هناك فرقا جوهريا بين الاستعانة بالخبرة في إعداد البرنامج، وبين الظهور أمام البرلمان وكأن العلاقة الوحيدة التي تربط المسؤول بالنص هي محاولة قراءته.
فالبرنامج الحكومي ليس قصيدة أدبية ولا بيانا بروتوكوليا أُعدّ لإكمال مراسيم التنصيب. إنه وثيقة سياسية يفترض أن تعبّر عن رؤية الحكومة، وترتيب أولوياتها واختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وطريقتها في معالجة المشكلات التي تؤرق المواطنين.
ومن ثم، فإن المطلوب من رئيسة الحكومة ليس مجرد تلاوة الكلمات وإنما القدرة على تقديمها بثقة، وشرح خلفياتها وتوضيح أسباب اختيارها، والدفاع عن مضمونها أمام ممثلي الأمة.
وعندما يطغى التعثر في القراءة على لحظة تقديم البرنامج، فإن ذلك يطرح سؤالا مشروعا بشأن مدى الاستعداد لهذه المحطة، ومدى قدرة رئيسة الحكومة على الانتقال من النص المكتوب إلى الشرح السياسي المباشر.
إذا كان تقديم البرنامج بهذه الصعوبة، فكيف سيكون تنزيله؟ وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش. لأن قراءة برنامج حكومي، مهما كان طويلا أو معقدا، تظل مهمة محددة سلفا. أما تنفيذ البرنامج فهو مهمة مختلفة تماما، تتطلب اتخاذ قرارات صعبة وتدبير الموارد المالية والبشرية وتنسيق عمل الوزارات، ومواجهة مقاومة المصالح المتعارضة، وتصحيح الأخطاء حين تظهر في الميدان.
وإذا كانت محطة تقديم البرنامج قد أظهرت ارتباكا في التواصل السياسي، فمن المشروع أن نتساءل عن مدى الجاهزية للتواصل بشأن قرارات أكثر تعقيدا؛ مثل إصلاح التعليم وتحسين الخدمات الصحية وخلق فرص الشغل ومواجهة الغلاء، وتدبير المالية العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
هل رئيسة الحكومة صاحبة المشروع أم مجرد واجهة لتقديمه؟ إن السؤال الأكثر حساسية الذي يطرحه هذا المشهد يتعلق بموقع رئيسة الحكومة داخل عملية صنع القرار. فهل تقف المنصوري في مقدمة مشروع سياسي تتبنى اختياراته وتدافع عنها وتتحمل مسؤولية نتائجه؟ أم أن دورها ينحصر إلى حد بعيد، في تمثيل الحكومة أمام المؤسسات، وتقديم خطاب صيغ داخل دوائر الحكم الحقيقة، بينما تُحسم الخيارات الحقيقية في مستويات أخرى؟
دستوريا، رئيسة الحكومة ليست قارئة البرنامج بل مسؤولة عن تنفيذه، ويمنح الفصل 88 من الدستور المغربي لتقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مكانة دستورية واضحة؛ إذ يعرض رئيس الحكومة البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويكون موضوع مناقشة يعقبها تصويت في مجلس النواب.
أما الفصل 89 فينص على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وأنها تعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين.
وهذا يعني أن الوظيفة الدستورية لرئيسة الحكومة لا تنتهي عند منصة البرلمان، ولا عند الحصول على الثقة، ولا عند التقاط الصور الرسمية بعد انتهاء الجلسة. بل تبدأ المسؤولية الفعلية عندما يتحول البرنامج إلى قرارات وإجراءات وموازنات ومشروعات، ثم إلى نتائج قابلة للقياس.
وعليه، فإن تقديم البرنامج ليس مجرد مناسبة لإلقاء خطاب معدّ سلفا؛ إنه إعلان عن التزامات سياسية ومؤسساتية يمكن الرجوع إليها ومساءلة الحكومة بشأنها.
وإذا كان النص الذي قدمته رئيسة الحكومة قد أثار نقاشا بشأن طريقة إلقائه، فإن الاختبار الأهم سيكون مدى قدرتها على الوفاء بمضمونه، وعلى تقديم أجوبة دقيقة حين يسألها البرلمان عن أسباب التأخر أو كلفة الإجراءات، أو الجهات المسؤولة عن التنفيذ.
ليس من الضروري أن يكون رئيس الحكومة خطيبا مفوها، ولا أن يتحدث بلغة أدبية رفيعة حتى يكون ناجحا. فهناك مسؤولون يتحدثون ببساطة ويحققون نتائج مهمة، وآخرون يتقنون فن الخطابة لكنهم يعجزون عن حل المشكلات.
كما أن الكفاءة السياسية لا تُختزل في إتقان العربية الفصحى، ولا ينبغي أن تتحول اللغة إلى أداة للسخرية الشخصية أو الانتقاص من قيمة أحد.
لكن ثمة فرقا بين السخرية من شخص بسبب تعثر عابر وبين مساءلة مسؤول عن مستوى استعداده لأداء مهمة رسمية بالغة الأهمية. إن تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان لحظة تواصل سياسي ومؤسساتي، ومن حق الجمهور أن ينتظر فيها وضوح الرسالة وتماسك العرض، والقدرة على شرح الالتزامات والدفاع عنها.
ولا تكمن المسألة في اللهجة أو اللكنة بحد ذاتهما، بل في مدى قدرة المسؤول على التواصل بوضوح، واستيعاب ما يعرضه، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة به.
وبالتالي، فإن النقد الجاد لا يقول إن ضعف الإلقاء يساوي ضعف الحكم، بل يقول إن ضعف الإلقاء في هذه المناسبة يفتح بابا مشروعا لفحص الجاهزية السياسية، ثم ترك الحكم النهائي للكفاءة والقرارات والنتائج.
في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يتحول تعثر فاطمة الزهراء المنصوري في قراءة البرنامج الحكومي إلى محاكمة لغوية لشخصها، ولا ينبغي في المقابل أن يُستخدم التركيز على مضمون البرنامج ذريعة لإغلاق باب النقد بشأن أدائها السياسي.
فالمواطن المغربي لا ينتظر من رئيسة الحكومة أن تتلو نصا بلا أخطاء فحسب، وإنما ينتظر أن تفهم ما تتعهد به، وأن تكون قادرة على شرحه والدفاع عنه، وأن تمتلك سلطة توجيه من سينفذونه، وأن تتحمل مسؤولية النتائج أمام المؤسسات والرأي العام.
أما إذا انتهت العلاقة بين رئيسة الحكومة والبرنامج عند حدود تقديمه، بينما بقيت القرارات الفعلية وآليات الحسم والمساءلة بعيدة عن رقابة واضحة، فستكون المشكلة أكبر بكثير من تعثر في النطق أو ارتباك أمام الكاميرات.
الدولة لا تُدار بتلاوة البرامج ولا تُقاس الحكومات بجمال خطاباتها وإنما بما تنجزه، وبما تستطيع تفسيره والدفاع عنه، وبما تتحمله من مسؤولية حين تفشل. وذلك هو الامتحان الحقيقي الذي بدأ بعد انتهاء الجلسة.
