CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 82?
تقرير – الرباط
من إعفاء ماديحة خيير بعد يومين من تعيينها إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات بشأن شبهات الاستيلاء على أموال مخصصة للدراسات الحزبية بملايير الدراهم، والمرتبطة بالوزير المهدي المزواري.. هل تكشف البداية المتعثرة لحكومة المنصوري الجديدة عن خلل في فحص ملفات الوزراء قبل تعيينهم، أم أن المشكل أعمق؟
لم تحتج الحكومة المغربية الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، إلى وقت طويل حتى تجد نفسها في مواجهة أسئلة محرجة بشأن معايير اختيار أعضائها، وآليات التدقيق في ملفاتهم، وحدود المسؤولية السياسية والمؤسساتية عن التعيينات التي تتم في أعلى مستويات السلطة التنفيذية.
فبعد يومين فقط من تعيين ماديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، صدر بلاغ الديوان الملكي، يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، معلنا الموافقة على طلب رئيسة الحكومة إعفاءها من مهامها، استنادا إلى الفصل 47 من الدستور.
وجاء القرار في أعقاب تداول معطيات قضائية وطبية مرتبطة بقضايا نصب واحتيال وفساد، وفق ما أكده الناطق الرسمي باسم الحكومة. وبين التعيين والإعفاء، انفتح نقاش واسع حول مدى جاهزية منظومة التدقيق المسبق في ملفات المرشحين للاستوزار، وحول الكيفية التي يمكن بها أن تظهر معطيات مثيرة للجدل بعد صدور قرار التعيين، لا قبله.
ولم يتوقف الجدل عند هذا الملف؛ إذ رافقت انطلاقة الحكومة أيضا أسئلة بشأن تعيين أحمد المهدي المزواري وزيرا منتدبا مكلفا بالصيد البحري، على خلفية تقرير وملاحظات المجلس الأعلى للحسابات بخصوص تدبير نفقات الدراسات الممولة من الدعم العمومي للأحزاب السياسية.
ماديحة خيير.. يومان بين التعيين والإعفاء
شكّل إعفاء ماديحة خيير، يوم 18 أكتوبر، تطورا استثنائيا في بداية تشكيل الحكومة الجديدة. فقد جرى تعيينها يوم الجمعة 16 أكتوبر، قبل أن يُعلن بعد يومين عن قبول طلب إعفائها من مهامها الحكومية.
وفي توضيح لاحق، أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة أن السلطات الحكومية تابعت ما رافق تعيينها من تداول معطيات قضائية وطبية، وأن التعامل مع الموضوع تم في إطار تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية.
غير أن البلاغ الرسمي لم يفصّل الوقائع القضائية المتداولة، ولم يقدم سردا كاملا لخلفياتها أو مآلاتها القانونية. وتناولت تقارير إعلامية وثائق متداولة قيل إنها ترتبط بملف قديم يعود إلى سنة 2004، وتضمنت معطيات بشأن وقائع احتيال ومتابعة قضائية.
لكن سرعة الإعفاء تطرح سؤالا مشروعا يتجاوز الشخص المعني؛ حول كيف أمكن أن يصل ملف إلى مرحلة التعيين الوزاري، ثم يتحول خلال ساعات إلى موضوع يستدعي تدخلا حكوميا عاجلا؟
المهدي المزواري.. ماذا يقول تقرير المجلس الأعلى للحسابات؟
في ملف مواز، يُتداول تقرير بشأن أحمد المهدي المزواري، الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، تناول استفادة مكتب دراسات مرتبط بشركاء من داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من أموال عمومية مخصصة لإنجاز دراسات.
ويستند التقرير الصحفي إلى تقرير المجلس الأعلى للحسابات بشأن تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي لسنة 2022، المنشور في فبراير 2024.
ووفق المعطيات التي أوردها التقرير، حصل الحزب على دعم إضافي بقيمة 1.93 مليون درهم تقريبا لتمويل الدراسات والأبحاث، قبل أن يتعاقد مع مكتب «MELA STRATEGIE & CONSEIL» لإنجاز 23 دراسة بمبلغ إجمالي قدره 1.835 مليون درهم.
وسجل المجلس الأعلى للحسابات جملة من الملاحظات بشأن تنفيذ هذا التعاقد وتبرير نفقاته، من بينها عدم تقديم دراستين من أصل 23 دراسة متعاقد بشأنها، فضلا عن ملاحظات تتعلق بطبيعة الوثائق المدلى بها، والتي وصفها التقرير بأنها عروض أو مذكرات موجزة تتضمن معلومات واقتراحات عامة متاحة للعموم، ولا تستوفي عددا من المنهجيات العلمية المعتادة في إعداد الدراسات.
كما أشار التقرير إلى غياب اتفاقيات خاصة تحدد شروط إنجاز كل دراسة وكلفتها بصورة منفصلة، وهو ما أثار تساؤلات حول دقة تحديد الحاجيات ومتطلبات التنفيذ ومعايير تقييم المخرجات.
هذه الملاحظات تكتسب أهمية خاصة لأنها تتعلق بالمال العام، وبكيفية صرف الدعم العمومي الموجه إلى الأحزاب السياسية، وبمدى قابلية النفقات للمراقبة والتحقق من أن الأموال صُرفت في مقابل خدمات مستوفية للمتطلبات المتعاقد بشأنها.
سؤال المسؤولية لا يقل أهمية عن سؤال الوقائع
بين الإعفاء السريع لخيير والملاحظات المرتبطة بملف الدراسات، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي تُعد بها لوائح المرشحين للمناصب الحكومية.
فالتعيين الوزاري ليس مجرد مكافأة على المسار الحزبي، ولا امتدادا تلقائيا للنجاح الانتخابي. إنه إسناد لمسؤولية عامة تقتضي قدرا عاليا من الثقة، وتفرض على المؤسسات المعنية تحري المعلومات ذات الصلة بالوظيفة، والتحقق من المعطيات التي يمكن أن تؤثر في سلامة القرار العمومي.
ومن هنا تبرز أسئلة تستحق إجابات رسمية واضحة؛ حول ماذا إذا كانت توجد آلية حقيقية وموثقة للتدقيق في الملفات العدلية والقانونية والإدارية للمرشحين للاستوزار قبل رفع الأسماء للتعيين؟ وما الجهات التي تتولى التحقق من المعلومات، وما حدود مسؤولية كل جهة؟ وهل تتضمن إجراءات الاختيار فحصا للمخاطر القانونية والمالية المرتبطة بتولي المسؤولية العامة؟
وفي الملفات المتعلقة بالسطو على الدعم العمومي، كيف يجري تتبع تنفيذ توصيات أجهزة الرقابة، والتحقق من استكمال الوثائق وتدارك الاختلالات؟
المال العام والشفافية.. معيار واحد للمساءلة
تكتسي ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات بشأن الدراسات الحزبية أهمية تتجاوز أسماء الأطراف المعنية، لأنها تعيد طرح مسألة الشفافية في استعمال الأموال العامة المخصصة للحياة السياسية.
فحين تُرصد أموال عمومية لإنجاز دراسات، يفترض أن تكون هناك آليات واضحة لتحديد موضوعاتها، وتقييم جودتها، والتحقق من تنفيذ الالتزامات التعاقدية، وضمان وجود مستندات كافية لتبرير النفقات.
كما أن نشر الملاحظات الرقابية يتيح للرأي العام فرصة الاطلاع على كيفية تدبير الموارد العمومية، لكنه لا يغني عن متابعة ما ترتب عليها من إجراءات، أو عن معرفة ردود الأطراف المعنية، أو نتائج أي مساطر لاحقة.
في المحصلة، سقطت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في أول امتحان سياسي لها، بعدما وجدت نفسها، منذ الأيام الأولى لتشكيلها، في مواجهة أسئلة محرجة بشأن معايير اختيار الوزراء ومدى إخضاع ملفاتهم للتدقيق قبل إسناد المسؤولية إليهم. فإعفاء ماديحة خيير بعد يومين فقط من تعيينها، بالتزامن مع عودة ملف نفقات الدراسات الحزبية المرتبطة بالمهدي المزواري إلى الواجهة، يضع مصداقية إجراءات التعيين والمراقبة أمام اختبار صعب.
وحين يتحول تشكيل الحكومة، بعد ساعات من الإعلان عنها إلى مصدر للأزمات والأسئلة المحرجة، فإن الخلل لا يعود مجرد مشكلة في الأسماء المقترحة، بل يصبح سؤالا محرجا عن المنظومة السياسية والأمنية التي اختارتها ومرّرت ملفات وزرائها الفاسدين دون تدقيق كاف. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي حول من يتحمل المسؤولية؟ وكيف يمكن إقناع المغاربة بأن ما حدث مجرد خطأ لن يتكرر؟
