تقرير – إمزورن
اهتزت مدينة إمزورن اليوم على وقع أزيز الرصاص، بعدما تحولت عملية أمنية لتوقيف شخص مبحوث عنه في قضايا مرتبطة بالمخدرات إلى مواجهة مسلحة انتهت بمقتل حارس الأمن حمزة الزعام وإصابة عنصر أمني آخر بجروح خطيرة. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المشتبه فيه، البالغ من العمر 25 سنة، كان موضوع نحو عشرين مذكرة بحث، قبل أن يتم تطويق حي «أم الربيع» وتوقيفه بعد مواجهة بالرصاص.
في الظاهر، يتعلق الأمر بعملية أمنية ضد شخص مطلوب للعدالة. لكن خلف هذه الواقعة سؤال أكبر بكثير من تفاصيل المطاردة والتوقيف؛ كيف وصل الأمر إلى أن يصبح شخص في مقتبل العمر، مطلوبا في هذا العدد من القضايا، قادرا على الاستمرار في التحرك إلى أن تنتهي عملية توقيفه بمواجهة مسلحة يسقط فيها رجل أمن قتيلا؟
السؤال يقود مباشرة إلى ملف المخدرات في الريف، وهو ملف لم يعد من الممكن التعامل معه باعتباره مجرد ظاهرة إجرامية عابرة. فالمخدرات الصلبة، وعلى رأسها الكوكايين، لم تعد محصورة في دوائر ضيقة، بل تتحدث شهادات ومعطيات محلية عن انتشارها داخل عدد من الأحياء والمناطق القروية المحدودة الساكنة، وعن وصولها إلى فئات شابة وحتى قاصرين وتلاميذ. وعندما تصبح المخدرات بهذا الحضور داخل مجتمع محدود جغرافيا، فإن الحديث لم يعد فقط عن مروجين ومستهلكين، وإنما عن سوق كاملة تحتاج إلى شبكات نقل وتوزيع وتمويل وحماية.
وهنا تحديدا تصبح مسؤولية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية سؤالا لا يمكن القفز فوقه. فمن الصعب تصور أن سوقا منظمة بهذا الحجم يمكن أن تنشط لسنوات داخل مدن وقرى ومجالات جغرافية محدودة من دون أن تكون لدى أجهزة الدولة معرفة، ولو جزئية، بمساراتها وأشخاصها ونقاط توزيعها. فالدولة التي تمتلك أجهزة للمراقبة والتحري وتستطيع الوصول إلى مطلوبين وتطويق أحياء كاملة، لا يمكن أن تقنع المجتمع بسهولة بأنها عاجزة عن رؤية تجارة المخدرات وهي تتمدد أمام أعينها، فيما الساكنة تعرف هؤلاء المروجين واحدا واحدا.
من هنا تتفرع ثلاثة احتمالات، وكل واحد منها أكثر خطورة من الآخر. إذا كانت الأجهزة لا تعرف، فذلك فشل أمني واستخباراتي خطير؛ وإذا كانت تعرف ولا تتدخل، فالسؤال يصبح عن سبب هذا التساهل؛ أما إذا ثبت وجود حماية أو تغاضٍ أو استفادة من طرف بعض المسؤولين أو العناصر، فنحن أمام قضية فساد مؤسساتي تتجاوز بكثير جريمة الاتجار بالمخدرات.
وهذا تحديدا ما يجعل الاتهامات المتداولة بشأن الرشاوى والإتاوات التي تُدفع لبعض المتنفذين والأفراد من الشرطة والدرك الملكي مقابل السماح للمروجين بمواصلة نشاطهم اتهامات بالغة الخطورة. ولا ينبغي دفن هذه الاتهامات بالصمت. لأن المروج الموجود في الشارع ليس سوى الحلقة الأخيرة من سلسلة أطول.
لأن الدولة لا يمكن أن تكون حاضرة بقوة عندما يتعلق الأمر باعتقال المحتجين أو مراقبة الشارع، ثم تصبح غائبة عندما يتعلق الأمر بشبكات تبيع الكوكايين والمخدرات الصلبة داخل الأحياء والقرى والبلدات. ولا يمكن أن تطلب من المجتمع الثقة في مؤسساتها وهي لا تقدم إجابات مقنعة عن كيفية وصول هذه المواد إلى الشباب والقاصريظ بهذا الحجم.
مقتل رجل الأمن في إمزورن اليوم يجب ألا يُستخدم لإغلاق الملف عند حدود توقيف مشتبه فيه. بل ينبغي أن يكون لحظة لفتح الملف كاملا، ملف المخدرات في الريف، مصادرها، شبكات توزيعها، أموالها، الحماية التي قد تحيط بها، وأي مسؤولين أو عناصر أمنية يثبت تورطهم في تسهيلها.
فإذا كانت الدولة تحارب المخدرات فعلا، فليذهب إلى أبعد من المروج الصغير. ولتكشف من يقف وراء إغراق الريف بالكوكايين.
أما إذا ثبت أن هناك من داخل أجهزة الدولة من يتسامح مع هذه التجارة أو يحميها أو يستفيد منها، فإن الحديث لن يعود عن “مكافحة المخدرات”، بل عن منظومة تضرب المجتمع من الداخل ثم تظهر لاحقا لمعالجة النتائج التي ساهمت في إنتاجها.
وهنا تكمن القضية الحقيقية؛ ليس فقط من أطلق الرصاص في إمزورن اليوم، وإنما من ترك المخدرات تصل إلى هذه الدرجة من الانتشار داخل الريف، ومن المستفيد من مجتمع يُستنزف شبابه بين الكوكايين والبطالة والهجرة وتفكك الأسر.
وفي النهاية؛ الريف لا يُستنزف فقط عندما يغادر شبابه عبر البحر؛ يُستنزف أيضا عندما يُدفع بعضهم إلى المخدرات والجريمة واليأس. وإذا كانت الدولة تريد إثبات أنها تحمي هذا المجتمع، فعليها أن تكشف الحقيقة كاملة.
