تقرير /
في الجزائر، لم تعد الكارثة التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد مجرد حرائق تلتهم الغابات والمنازل وتدفع بالسكان إلى الفرار. فخلف الدخان والرماد تتكشف مأساة إنسانية كبيرة ومؤلمة، بينما تتسع الفجوة بين ما تقوله السلطات وما يرويه السكان وعائلات الضحايا. وبينما تحاول الرواية الرسمية حصر الخسائر في أرقام محدودة، تتحدث تقارير وشهادات من المناطق المنكوبة عن حصيلة بشرية صادمة تتجاوز الأرقام التي تعلنها السلطات بكثير، بل تصل بعض الإفادات والتقديرات المحلية إلى الحديث عن أكثر من ألف شهيدة وشهيد.
هذه الأرقام، التي تتداولها عائلات وسكان ومصادر من داخل المناطق التي اجتاحتها النيران، تضع الرواية الرسمية أمام اختبار صعب. فالسكان الذين عاشوا ساعات الرعب لا يتحدثون عن أرقام مجردة، وإنما عن أحياء وقرى كاملة فقدت عشرات العائلات أفرادا منها، وعن مفقودين لم يظهر مصيرهم بعد، وعن جثامين جرى التعامل معها بعيدا عن أعين الإعلام. ومع استمرار عمليات البحث والإحصاء، يصر شهود من المناطق المتضررة على أن حجم المأساة أكبر بكثير مما يظهر في البيانات الرسمية.
وبينما كانت السلطة تتحدث عن حصيلة محدودة في بداية الكارثة، بدأت تقارير محلية في رفع الرقم بصورة متسارعة، وصولا إلى مئات الضحايا في مناطق محددة، فيما تحدث سكان وعائلات عن حصيلة وطنية قد تكون أكبر بكثير. فإلى أي حد تحاول السلطات حجب الحجم الحقيقي للمأساة عن الجزائريين؟
المفارقة أن الفارق بين الرواية الرسمية والشهادات القادمة من الميدان لا يتعلق فقط بعملية إحصاء عادية يمكن تفسيرها بصعوبة الوصول إلى المناطق المنكوبة. فالحديث عن أعداد كبيرة من المفقودين، وعن عائلات بأكملها فقدت أفرادها، وعن عمليات دفن جماعية، يجعل مطلب الكشف الكامل عن أسماء الضحايا والمفقودين أكثر إلحاحا.
المشهد يعيد إلى الواجهة طبيعة النظام السياسي الجزائري وعلاقته بالإعلام والمعارضة. فمنذ سنوات، تواجه أصوات صحفية وحقوقية وسياسية مضايقات وملاحقات عندما تتجاوز الخطوط التي ترسمها السلطة، بينما يواصل المعارضون وصف النظام بأنه واقع تحت نفوذ المؤسسة العسكرية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الكارثة الإنسانية نفسها رهينة للمناخ السياسي، فالصحفي الذي يبحث عن الحقيقة يواجه القيود، والناشط الذي يرفع صوته يمكن أن يجد نفسه ملاحقا والمواطن الذي يشكك في الرواية الرسمية يُتهم بترويج الأخبار الكاذبة أو خدمة أجندات معادية.
وهكذا تتحول الكارثة من مأساة طبيعية إلى قضية سياسية. فالسلطة لا تتحكم فقط في إدارة عمليات الإنقاذ والإجلاء، وإنما تتحكم أيضا في تدفق المعلومات وفي الصورة التي تصل إلى الرأي العام. وعندما تكون وسائل الإعلام المستقلة عاجزة عن الوصول بحرية إلى كل المناطق المتضررة، يصبح السكان أنفسهم المصدر الوحيد لبعض المعلومات، وتصبح شهاداتهم بمثابة نافذة على واقع لا يظهر في البيانات الرسمية.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الجزائر. ففي الضفة الأخرى من شمال إفريقيا، تكشف مأساة سبتة عن مشكلة مشابهة في العلاقة بين السلطة وأرقام الضحايا. عندما حاول آلاف المهاجرين عبور الحدود إلى سبتة، تحولت الكارثة الإنسانية إلى أزمة أمنية وسياسية، وتضاربت الروايات حول أعداد القتلى والمفقودين والظروف التي أحاطت بموتهم.
وفي ملف سبتة، كان التناقض أكثر وضوحا. فالسلطات المغربية أعلنت مقتل 11 مهاجرا مغرببا، بينما تحدثت السلطات الإسبانية وجهات أممية وحقوقية عن حصيلة أعلى تتجاوز الـ 100 ضحية، الأمر الذي أبقى مصير عشرات الأشخاص موضع تساؤل. لم يكن الخلاف حول الأرقام مجرد خلاف تقني، لأن الرقم في مثل هذه القضايا يحدد حجم الكارثة، ويؤثر في تحديد المسؤوليات، ويكشف ما إذا كانت الدولة قد قامت بواجبها في حماية الأرواح أم لا.
وهنا تلتقي الجزائر والمغرب عند نقطة واحدة، رغم اختلاف السياقات السياسية وطبيعة الأحداث، فعندما تتحول حياة البشر إلى ملف أمني، تصبح الحقيقة نفسها خاضعة لحسابات السلطة. في الجزائر تحاول الرواية الرسمية السيطرة على صورة كارثة الحرائق، وفي ملفات الهجرة على الحدود المغربية تحولت أرقام الموتى إلى جزء من معركة الروايات بين السلطات المغربية والجهات الحقوقية والدولية.
ما يحدث في الجزائر اليوم لا يحتاج إلى خطابات سياسية بقدر ما يحتاج إلى تحقيق مستقل. إذا كانت الحصيلة الفعلية أقل من الأرقام التي تتحدث عنها العائلات والسكان، فلتكشف السلطات الأسماء والسجلات وتضع حدا للجدل. وإذا كانت التقارير التي تتحدث عن أكثر من ألف شهيد صحيحة أو قريبة من الحقيقة، فإن التستر عليها لن يحمي النظام من المسؤولية، بل سيجعل التعتيم نفسه جزءا من المأساة.
فالسلطة التي تعتقد أن بإمكانها السيطرة على الخبر تستطيع ربما أن تؤخر وصوله، لكنها لا تستطيع أن تمنع العائلات من الكلام. تستطيع أن تحجب الأرقام أياماً أو أسابيع، لكنها لا تستطيع أن تمحو أسماء الضحايا من ذاكرة ذويهم. وتستطيع أن تلاحق الصحفي الذي يسأل، لكنها لا تستطيع أن توقف السؤال نفسه.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالجزائر وحدها، ولا بالمغرب وحده. يتعلق الأمر بمنظومة سياسية في المنطقة تخشى الحقيقة أكثر مما تخشى الكارثة نفسها. في الجزائر، حين ترتفع أصوات العائلات والسكان وتتضارب الأرقام، يصبح السؤال عن عدد الضحايا سؤالا ممنوعا ويصبح الصحفي الذي يحاول الاقتراب من الحقيقة في مواجهة نظام لا يتسامح مع من يشكك في روايته. وفي المغرب، كشفت مآسي سبتة ومليلية كيف يمكن أن يتحول موت المهاجرين إلى ملف أمني، وأن تصبح أعداد الضحايا نفسها جزءا من معركة الروايات الرسمية.
الجزائر والمغرب يختلفان في الخطاب والواجهة والتحالفات، لكنهما يلتقيان عندما يتعلق الأمر بشيء واحد، “احتكار الحقيقة”. كلا النظامين يريد أن يحدد للناس ماذا حدث وكم مات ومن المسؤول، وما الذي يحق للصحافة أن تقوله. وحين تخرج رواية من خارج السلطة، يبدأ التشكيك فيها، وحين يصر صحفي أو ناشط على طرح الأسئلة، يتحول هو نفسه إلى المشكلة ويتم التخلص منه برميه في السجن.
لكن الحقيقة لا تحتاج إلى إذن من قصر المرادية، ولا إلى موافقة القصر الملكي في الرباط. الحقيقة توجد في القرى التي أحرقتها النيران، وفي المقابر التي استقبلت الضحايا، وفي المستشفيات التي عالجت المصابين، وفي ذاكرة الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، وفي شهادات الذين عاشوا الكارثة.
لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا ليس فقط كم مات في حرائق الجزائر؟ وكم مات في أحداث سبتة الأليمة؟ بل لماذا تخاف السلطة من الرقم الحقيقي؟ ولماذا يصبح الصحفي أو المواطن الذي يطالب بالحقيقة أخطر في نظر النظام من الكارثة نفسها؟
قد تنجح السلطة في إخفاء رقم لبعض الوقت، وقد تنجح في إسكات صوت، وقد تحاصر صحيفة أو تعتقل ناشطا، لكنها لن تستطيع اعتقال ذاكرة الضحايا. فالنار تخمد والحدود تُغلق والبيانات تُنسى، أما الحقيقة فتبقى.
ومن الجزائر إلى المغرب، تبقى الرسالة واحدة، الشعوب لا تطلب من حكامها أن يصنعوا المعجزات؛ تطلب فقط ألا يكذبوا عليها عندما يموت أبناؤها.
