تقرير – الناظور
حين يُعلن عن 120 منصب شغل بميناء الناظور غرب المتوسط، ثم يُوجَّه الراغبون في الترشح إلى وكالة «أنابيك» ببني ملال، يصبح من حق أبناء المنطقة أن يسألوا لمن تُبنى هذه المشاريع الكبرى ومن المستفيد الفعلي من ثمارها؟
ليس الأمر مجرد تفصيل إداري عابر، ولا يتعلق فقط بعنوان وكالة للتشغيل أُدرج في إعلان توظيف. نحن أمام قضية تتجاوز الجغرافيا الإدارية إلى سؤال العدالة المجالية وتكافؤ الفرص، ومدى جدية الخطاب الرسمي حول التنمية والتشغيل وإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية لمناطقهم.
فوفق ما أوردته وسائل إعلام محلية، يتعلق الأمر بإعلان عن توظيف 120 سائقا لآليات المناولة المينائية للعمل بميناء الناظور غرب المتوسط، مع إسناد عملية الترشيح إلى وكالة «أنابيك» بمدينة بني ملال. وذهبت التغطيات إلى أن شابا من الناظور توجه إلى وكالة التشغيل بالمدينة لإيداع سيرته الذاتية، لكنه لم يتمكن من ذلك، بدعوى أن عرض العمل تابع لوكالة بني ملال. كما تدخل الاتحاد الإقليمي لنقابات الناظور، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، مطالبا بتوضيح الإجراءات وضمان تكافؤ الفرص.
فما الذي يمنع من تيسير إيداع ملفات الترشيح في الناظور، ما دام مكان العمل هو ميناء الناظور؟
إذا كانت المسألة مجرد إجراء تنظيمي أو توزيع إداري لعروض الشغل بين الوكالات، فلماذا لا تُقدَّم توضيحات رسمية للرأي العام؟ ولماذا لا تُعتمد آلية إلكترونية أو محلية تتيح لكل مرشح مستوفٍ للشروط إيداع ملفه دون تكبّد مصاريف التنقل إلى مدينة بعيدة؟
إن تكافؤ الفرص لا يتحقق بمجرد نشر إعلان للتوظيف. فالإعلان الذي لا يستطيع بعض المعنيين الوصول إلى مسطرة الترشيح الخاصة به بالسهولة نفسها التي يستطيع بها آخرون، يطرح مشكلة حقيقية في عدالة الولوج، حتى إن لم يكن القصد المعلن منه هو الإقصاء.
لقد جرى تقديم ميناء الناظور غرب المتوسط باعتباره مشروعا استراتيجيا من شأنه أن يفتح آفاقا اقتصادية واسعة، وأن يساهم في تحريك الاستثمار واللوجستيك والتشغيل. غير أن قيمة المشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات ولا بالخطابات الرسمية التي ترافق افتتاح الأوراش.
المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المشاريع ستنعكس على حياة الناس، وهل ستمنح الشباب فرصا فعلية لتحسين أوضاعهم، وهل سيجد أبناء المنطقة مكانا مستحقا لهم في سوق الشغل الذي يتشكل فوق أرضهم بعيدا عن الحسابات السياسية والأمنية.
ليس من المنطقي أن يُطلب من الشباب انتظار ثمار التنمية، ثم يجدوا أنفسهم أمام مساطر تثير أسئلة بشأن سهولة الولوج إليها. وليس من الإنصاف أن تتحول الإجراءات الإدارية، مهما كانت مبرراتها التنظيمية، إلى حواجز إضافية أمام شباب يعانون أصلا من صعوبة الحصول على عمل قار ولائق.
ولا يعني هذا المطالبة بإقصاء شباب بني ملال أو أي منطقة مغربية أخرى؛ فحق العمل وتكافؤ الفرص حق لجميع المواطنين. المطلوب هو أن تكون المنافسة شفافة وأن تكون شروطها واضحة، وأن تُمنح الكفاءات المحلية فرصة حقيقية للاستفادة من التحولات الاقتصادية التي تعرفها منطقتها.
من المشروع أن يتساءل أبناء الريف عن أسباب تكرار الشعور بأن المشاريع الكبرى لا تمنحهم دائما المكانة التي ينتظرونها في سوق الشغل المحلي. ومن المشروع أيضا أن يطالبوا بكشف معايير التوظيف وحقيقة المناصب المتاحة وشروط الانتقاء، والجهات التي تحدد مسارات الترشيح.
إن الريف لا يحتاج إلى خطابات إضافية عن التنمية بقدر ما يحتاج إلى نتائج ملموسة في التشغيل، والتعليم والتكوين والبنيات الأساسية، والعدالة المجالية. فالميناء الذي يجاور شبابا يبحثون عن فرصة عمل يجب أن يكون جزءا من حل مشكلتهم، لا مناسبة جديدة لإثارة التساؤلات حول فرصهم في الاستفادة من التحول الاقتصادي الذي تعرفه منطقتهم.
وإذا كانت الدولة تراهن على نجاح المشاريع الكبرى، فإن عليها أن تدرك أن نجاحها لا يُقاس فقط بجاذبيتها للمستثمرين، بل أيضا بقدرتها على بناء الثقة مع الساكنة المحلية واحترام الحقوق وخلق فرص عمل لائقة، وتيسير الوصول العادل إلى تلك الفرص.
وإذا كان ميناء الناظور غرب المتوسط مشروعا للمستقبل، فإن ذلك المستقبل لن يكون مكتملا ما لم يشعر شباب الناظور والدريوش والحسيمة والريف عموما بأنهم شركاء في بنائه ومستفيدون من فرصه، وأصحاب حقوق مصونة داخله.
