- عماد العتابي
في السياسة المغربية لا تحتاج الأشياء الكبيرة دائما إلى أحداث كبيرة كي تتعطل. أحيانا تكفي حقيبة صغيرة كي يتغير إيقاع المشهد كله. وهذا ما فعله «صاك طنجة»؛ فقد ظهر في اللحظة التي كان يفترض فيها أن تغادر الانتخابات صندوق الاقتراع نحو قاعة الحكومة، فإذا بها تجد نفسها من جديد في قلب الأسئلة.
كان يفترض أن يكون المشهد واضحا بعد انتهاء الانتخابات وإعلان الحزب المتصدر، ويقوم الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، ثم تبدأ معركة تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب. هكذا يفترض أن تتحرك عجلة السياسة. لكن العجلة هذه المرة لم تسر كما أربد لها. فبقيت النتيجة في مكانها وبقي منصب رئيس الحكومة ينتظر، بينما كانت طنجة تضع على الطاولة ملفا انتخابيا ثقيلا بما يكفي لإعادة ترتيب المشهد.
من هنا لا تعود أهمية «الصاك» في الأوراق التي كانت بداخله فقط، وإنما في اللحظة التي ظهر فيها. فالسياسة مثل الصحافة، لها حساسية شديدة تجاه التوقيت. وقد يكون التوقيت أحيانا أكثر دلالة من الحدث نفسه.
هناك شيء غير طبيعي في أن تنتهي الانتخابات ولا تبدأ الحكومة. ليس لأن تشكيل الحكومات يحدث دائما بسرعة، ولا لأن السياسة المغربية عُرفت يوما بأنها آلة تعمل بالثواني، وإنما لأن الانتخابات حين تُعلن نتائجها تصنع عادة إيقاعا جديدا، حيث المنتصر يبدأ في التحضير للحكم، والخاسر يعيد ترتيب صفوفه، والملك يختار رئيس الحكومة، ثم تبدأ المفاوضات. أما أن تبقى البلاد معلقة في تلك المنطقة الرمادية بين نتيجة ظهرت وحكومة لم تظهر، فذلك يعني أن شيئا ما في المشهد يستحق التوقف عنده.
وفي هذه المنطقة الرمادية بالذات، ظهر «صاك طنجة». قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد مصادفة انتخابية سيئة التوقيت. حقيبة فيها أوراق انتخابية، وضجة سياسية سرعان ما تجاوزت حجم الحقيبة نفسها. لكن السياسة لا تقيس الأشياء بحجمها المادي. بعض الأحداث الصغيرة تأتي في اللحظة الخطأ، فتتحول إلى عدسة تكبر من خلالها صورة المشهد كله.
وهذا بالضبط ما حدث مع الصاك. فجأة لم تعد طنجة مجرد مدينة تنتظر نتائج انتخاباتها، ولم يعد الحزب المتصدر مجرد حزب يستعد للاحتفال بانتصاره. دخلت القضية إلى قلب لحظة سياسية كان يفترض أن تكون لحظة انتقال من الانتخابات إلى الحكومة، ومن الحملات إلى تشكيل تعيين الحكومة.
ثم بدأ الانتظار والانتظار في السياسة ليس بريئا دائما. فحين يتأخر قرار كبير، تبدأ الأسئلة في ملء الفراغ. لا أحد يعرف إن كان هناك ارتباط مباشر بين قضية طنجة وتأخر تعيين رئيس الحكومة، ولا توجد معطيات رسمية تسمح بالجزم بذلك. لكن المؤكد أن الصمت، في مثل هذه اللحظات، لا يبقى صمتا. بل يتحول إلى مساحة تتكاثر فيها القراءات والتأويلات، ويصبح كل حدث سابق مرشحا لأن يتحول إلى تفسير للحدث اللاحق.
وهكذا وجد «الصاك» لنفسه وظيفة سياسية لم يطلبها. لم يعد مهما فقط بسبب ما كان داخله، وإنما بسبب ما فتحه من أسئلة خارجه.
فالحكومة المقبلة ستولد من انتخابات لم يقل فيها الناخبون كلمتهم، لكن قبل أن تولد، ظهرت أمامها قضية تزوير انتخابية ثقيلة بما يكفي لتعيد النقاش إلى الطريقة التي جرت بها العملية الانتخابية نفسها. والحزب الذي خرج من الصناديق متصدرا لم يجد نفسه في لحظة الانتصار الصافي التي حلم بها، بل في لحظة أكثر تعقيدا، عليه أن يمد يده نحو الحكومة، بينما يطال أحد أبرز وجوهه في طنجة ملف قضائي وسياسي أربك المشهد.
هنا تحديدا تصبح السياسة أكثر إثارة من الأرقام. فالـ97 مقعدا التي حصل عليها الحزب المتصدر يمكن عدّها بسهولة. لكن لا يمكن عدّ مقدار الثقة التي تحتاجها تلك المقاعد لكي تتحول إلى حكومة مستقرة. أرقام صناديق الداخلية تمنح الصدارة، لكنها لا تلغي الأسئلة التي تظهر حول الطريق الذي أوصل إليها.
وهذا هو الدرس السياسي الذي تركه الصاك، بصرف النظر عما ستقوله التحقيقات في النهاية. فلقد ذكّر الجميع بأن الانتخابات ليست ليلة واحدة، وأن شرعية النتائج لا تعيش فقط في محاضر الفرز، وإنما في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى العملية كلها. وإذا كان القضاء سيحدد المسؤوليات القانونية، فإن السياسة مطالبة بشيء آخر وهي أن تحمي الثقة التي تحتاجها المؤسسات لكي تستمر.
المسافة بين الانتخابات والحكومة حين تطول، لا تبقى مسافة زمنية فقط. تتحول إلى مسافة سياسية. وفي هذه المسافة تنمو الشكوك وتكبر التأويلات، وتصبح حقيبة من طنجة قادرة على أن تنافس خطابا انتخابيا كاملا.
قد يثبت التحقيق أن الصاك لم يكن أكثر من واقعة انتخابية محدودة. وقد تنتهي القضية إلى مسؤوليات محددة لا علاقة لها بما يتداوله الشارع. لكن الضرر السياسي إن جاز التعبير، لا يحتاج دائما إلى إدانة قضائية كي يظهر. يكفي أن يهتز الإحساس بأن الأمور ليست على ما يرام.
لقد أنفقت الأحزاب أسابيع كاملة وهي تطلب من الناس أن يثقوا بها. وحين انتهى الاقتراع، كان يفترض أن يأتي دور المؤسسات لكي تثبت أن هذه الثقة لم تذهب سدى. لكن بدل أن تبدأ الحكومة الجديدة، بدأ الحديث عن حقيبة انتخابية.
لذلك، ربما لم يؤخر الصاك تعيين رئيس الحكومة. لكن الصاك فعل شيئا آخر أخطر سياسيا؛ أوقف للحظة الساعة التي كان يفترض أن تنتقل فيها البلاد من شرعية الانتخابات إلى ممارسة الحكومة لمهامها الشكلية.
