- محسين الشهباني
من الخطأ اختزال مجموعات الألتراس في العنف والبلطجة والتمرد. هذا الاختزال جزء من استراتيجية الهيمنة الرامية إلى تجريم كل تعبير عضوي للطبقات الشعبية.
لم تنشأ الحركية الالتراس في فراغ. إنها نتاج مباشر للتناقضات البنيوية. وُلدت من رحم الاحتجاج الاجتماعي، بوصفها شكلاً من أشكال “المجتمع المدني الشعبي”. كانت المدرجات منذ البداية “فضاءً مضاداً للهيمنة”: لغة رفض، ومساحة حرية، ومنبراً للتعبير عن وعي الجماعات المسحوقة. لم تكن المدرجات فضاءً للفرجة فحسب، بل تحولت إلى “مدرسة للمثقف العضوي” الشعبي.
في تاريخ المغرب الحديث، خلال الخمسينيات وأثناء فترة الحماية، كانت الكاريانات هي الخزان الثوري الحقيقي. لم يكن كاريان سنطرال، وكاريان بن مسيك، وكاريان الحفرة مجرد أحياء صفيح. كانت “جامعات للغضب الوطني”. من براريك القصدير خرجت المقاومة، ومنها خرج الوعي السياسي، ومنها خرج الفن الملتزم.
فقد شكّلت الحاضنة الاجتماعية للمقاومة، إذ صنع الفقر المشترك “كتلة تاريخية” شعبية. كما كانت الخزان البشري للمدرجات، فمن أزقة الكاريان كان الشباب يزحف نحو ملعب “سنطرال”. كان المدرج الامتداد الطبيعي للحي.
وكانت أيضاً مختبر الثقافة المضادة: من رحم المعاناة وُلدت “الظاهرة الغيوانية”. لقد كان ناس الغيوان، وجيل جيلالة، ولمشاهب “مثقفين عضويين” صاغوا “الحس العام” للمقهورين.
كانت المدرجات هي الرئة التي تنفست منها المقاومة الوطنية. لم تكن كرة القدم سوى غطاء. وكان دور المدرجات في زمن الاستعمار حاسماً:
- في توزيع المناشير: تحت غطاء “التيفوات” والرايات، كانت المناشير الوطنية تُهرَّب وتُوزع بين آلاف الصدور. كان المدرج المطبعة السرية للوعي، ومكتب البريد السري للثورة.
- في تنظيم المسيرات: كانت نهاية المباراة في “سنطرال” ساعة الصفر. تتحول صافرة الحكم إلى إشارة انطلاق المظاهرة. تخرج الجماهير من الملعب ككتلة واحدة لتلتحم بأبناء الكاريان في درب السلطان والحي المحمدي.
- في إخفاء الفدائيين ورموز المقاومة: كان المدرج المكتظ أفضل مكان للاختفاء عن أعين “الكوم”. يجد الفدائي المطلوب في صفوف الجماهير حصناً شعبياً. ومن فوق المدرجات كان الزعماء يلقون خطبهم المشفرة ويرسلون إشارات الصمود.
كفرصة للقاء من أجل الدفاع عن الوطن بعدما منع الاستعمار التجمعات، فكان الملعب هو “البرلمان الشعبي” الوحيد المسموح به. هناك كانوا يلتقون، ويتفقون، ويخططون، ويجددون العهد على المقاومة. كان الفوز على فريق المعمر بياناً سياسياً: “نحن هنا، ولن ننكسر”.
كانت الفرق الوطنية تخوض “حرب مواقع” رمزية. وكان المدرج هو الحزب الشعبي للجماهير، و”الكاريان” لجنته المركزية. هذه هي الجينات التاريخية للحركية الالتراس المغربية وُلدت في الكاريان، وترعرعت في المدرج، وغنتها ناس الغيوان. وُلدت مقاومة، لا بلطجة.
ان هدم الكاريانات اليوم: اغتيال للذاكرة وتفكيك للهوية وهنا يكمن جوهر المعركة الحالية. إن هدم الكاريانات اليوم ليس مشروعاً عمرانياً بريئاً. إنه هدم للذاكرة الجمعية واغتيال للتاريخ النضالي. حين تُهدم الأحياء الشعبية والمدينة القديمة، وحين يُرحَّل أبناؤها إلى ضواحٍ بلا روح، فهذا ليس “إعادة إسكان”. هذا تشتيت مُمنهج للبنيات الاجتماعية التي أنتجت الوعي والمقاومة.
إن ترحيل سكان الكاريانات هو تفكيك للكتلة التاريخية، وفقدان للهوية والجغرافيا النضالية. هدم المكان هو هدم للمعنى. هو محو لخريطة النضال من ذاكرة المدينة. هو إنتاج لإنسان بلا جذور، سهل التدجين. هدم الكاريان هو هدم لرحم الالتراس.
أما البلطجة والعنف المجاني اللذان نراهما اليوم فهما أحد نتائج هذا الاقتلاع. إنه عنف اللاجذور. المؤلم اليوم أن هذا الإرث يتعرض للاغتيال. إن البلطجية والشباب المدمن على الأقراص المهلوسة والمخدرات ليسوا سوى أداة. الفاعل الحقيقي هو “الكتلة التاريخية الحاكمة” التي تسعى إلى تدمير كل فضاء مستقل.
شخصياً، أنبذ العنف بكل تجلياته، وأعتبر ما وقع في حي مولاي رشيد سلوكاً مرفوضاً. عندما تتحول الألتراس إلى عنف مجاني، فهذا نتاج سياسة واعية لتفريغها من مضمونها الطبقي. إنه تحويلها من “حرب مواقع” ضد الهيمنة، إلى “حرب عصابات” فيما بين المقهورين أنفسهم.
كيف لثقافة وُلدت في “كاريان سنطرال” وغنتها ناس الغيوان لتواجه الاستعمار، أن تُستعمل اليوم لترويع الأسر العاملة؟ هذه هي “الثورة السلبية”: امتصاص المضمون الثوري، والإبقاء على الشكل العنيف لتشويهه.
الحركية الحقيقية ليست سيفاً. السيف أداة القمع. الألتراس صوت. والصوت أداة الهيمنة الثقافية، كما كان صوت بوجميع والعربي باطما.
الواجب اليوم هو خوض “حرب مواقع” داخل الحركية نفسها:
تحريرها من البلطجية لان البلطجي ليس متمرداً، بل هو أداة موضوعية لحماية النظام، مثلما كان الجندي السينيغالي أداة للمعمر.
استرجاعها كفضاء للمثقف العضوي اذ يجب أن تعود المدرجات مدرسة للوعي، كما كانت أيام “سنطرال” والغيوان. يجب أن يغني المدرج هموم الكاريان من جديد.
كما يجب ربطها بالنضال الاجتماعي الأوسع فمعركة المدرجات هي امتداد لمعركة الكاريان ضد “الحكرة”. هي معركة الشغل، والسكن، والكرامة.
المدرجات التي أنجبت المقاومة، وغنى فيها صوت الكاريان مع ناس الغيوان، لا يجوز أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج القهر. والتاريخ الذي كُتب بدماء أبناء الكاريانات وأهازيج الغيوان في مدرجات “فيليب”، لا يجب أن يُمحى بسيوف البلطجية.
لم تكن المدرجات يوماً مجرد حجارة ومقاعد، بل كانت على الدوام “الدولة الموازية” للشباب المهمش. هناك، في قلب الصخب والهتاف، انضبطت شريحة شبابية واسعة كانت الدولة الرسمية قد رمتها إلى الشارع. علّمها المدرج النظام في الصف، والالتزام بالكلمة، والتضحية من أجل الراية.
كان فضاءً للتثقيف الذاتي، حيث تُمرر المناشير كما تُمرر الكرة، وحيث تُغنى أهازيج ناس الغيوان كأنها دروس في التاريخ والسياسة. نشر المدرج الوعي حين عجزت المدرسة، ووحّد الصف حين فككته البطالة، وصنع هوية حين محتها سياسات التهميش.
لذلك فإن تحرير الالتراس اليوم من البلطجة، والدفاع عن ذاكرة الكاريانات من الهدم، ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو دفاع عن آخر مدرسة شعبية مفتوحة للشباب. إنقاذ المدرجات هو إنقاذ لفضاء الوعي، وضمانٌ ألا يتحول الغضب المشروع إلى عنف أعمى، وألا تتحول الطاقة الشبابية من قوة بناء إلى معول هدم.
