تقرير/
في عالم كرة القدم الحديث، لم تعد المواقف الإنسانية تمرّ مرور الكرام، ولم يعد اللاعب الذي يرفع صوته دفاعا عن قضية عادلة بمنأى عن الضغوط والعقوبات والتهديدات وحملات التحريض. وبينما ترفع المؤسسات الغربية شعارات الحرية وحقوق الإنسان، تكشف الوقائع يوما بعد آخر أن هذه المبادئ تصبح قابلة للتجميد عندما يتعلق الأمر بفلسطين وغزة.
في قلب هذا المشهد، برز اسم النجم المغربي/الهولندي حكيم زياش باعتباره واحدا من أبرز الرياضيين الذين رفضوا الصمت، واختاروا الاصطفاف إلى جانب الشعب الفلسطيني في وقت فضّل فيه كثيرون تجنب الموقف خوفا على مصالحهم ومسيرتهم الرياضية.
زياش، الذي لطالما عبّر عن دعمه لفلسطين ورفضه للعدوان على غزة، وجد نفسه في مواجهة حملات تحريض وتهديدات مباشرة وصلت إلى مستويات خطيرة، بعدما هاجمه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بسبب مواقفه الإنسانية الواضحة. الهجوم لم يكن مجرد اختلاف سياسي عابر، بل محاولة لترهيب لاعب اختار أن يستخدم صوته وشهرته للدفاع عن المدنيين ورفض مشاهد القتل والدمار التي يشهدها قطاع غزة.
القضية لم تعد تتعلق بلاعب كرة قدم فقط، بل أصبحت نموذجا صارخا لحجم الضغوط التي تُمارس على كل شخصية عامة تحاول التعبير عن موقف أخلاقي تجاه فلسطين. ففي الوقت الذي يتم فيه التسويق للرياضة باعتبارها فضاءً للحرية والتسامح والقيم الإنسانية، يتحول اللاعب إلى هدف مباشر بمجرد خروجه عن “السقف المسموح به” سياسيا وإعلاميا
ولم يكن زياش وحده في هذا المسار. فقد سبقه اللاعب المغربي الهولندي أنور الغازي الذي دفع ثمنا باهظا بسبب دعمه لغزة، بعدما أقدم نادي 1. FSV Mainz 05 على فسخ عقده عقب منشوراته المؤيدة لفلسطين. غير أن الغازي رفض التراجع أو الاعتذار، وخاض معركة قضائية طويلة انتهت بانتصاره أمام القضاء الألماني، الذي أكد أن قرار فصله كان غير قانوني، في سابقة كشفت حجم التناقض داخل المؤسسات الرياضية الأوروبية بين شعارات الحرية والممارسة الفعلية على الأرض.
أما نجم برشلونة الصاعد، اللاعب الإسباني من أصل مغربي “يامين جمال”، فقد أصبح بدوره رمزا لجيل جديد من اللاعبين الذين لم يعودوا يخشون إظهار انتمائهم الإنساني والأخلاقي بعد رفعه علم فلسطين خلال احتفالات فريقه بتتويجه بطلا للدوري الإسباني، رغم المناخ المشحون والرقابة الإعلامية المتزايدة داخل أوروبا.
ما يجمع هؤلاء اللاعبين ليس فقط أصولهم المغربية أو نجوميتهم داخل الملاعب، بل امتلاكهم الجرأة للوقوف في صف الضحايا وفي صف قضية إنسانية عادلة، في لحظة عالمية يسودها الصمت والخوف والحسابات السياسية. لقد فهموا أن كرة القدم ليست مجرد أهداف وألقاب وعقود رعاية، بل أيضا منصة قادرة على إيصال صوت المظلومين إلى العالم.
لكن ما يحدث من حملات التحريض ضد اللاعبين الداعمين لفلسطين باتت تكشف بوضوح حدود “حرية التعبير” التي تتغنى بها الديمقراطيات الغربية. فحين يتعلق الأمر بقضايا أخرى، يُحتفى بالمواقف الإنسانية ويُقدَّم الرياضيون كأبطال أخلاقيين، أما عندما يتعلق الأمر بغزة، تتحول المواقف نفسها إلى تهم تستدعي التحريض والعقاب والتخوين.
ورغم كل ذلك، يواصل زياش والغازي ويامال وغيرهم إرسال رسالة واضحة مفادها أن المبادئ لا تُقاس بحجم الضغوط، وأن الدفاع عن الإنسان لا يجب أن يخضع للحسابات السياسية أو الخوف من العقوبات. لهذا اختاروا أن يكونوا أكثر من مجرد لاعبي كرة قدم، واختاروا أن يقفوا في الجهة التي يعتبرونها منحازة للحق والعدالة والكرامة الإنسانية.
وفي زمن أصبحت فيه المواقف الصادقة نادرة، تحوّل هؤلاء النجوم المغاربة إلى أصوات حرة داخل واحدة من أكثر الساحات الرياضية والإعلامية حساسية في العالم، مؤكدين أن الحقيقة لا يمكن إسكاتها، وأن فلسطين ما تزال قادرة على كشف ازدواجية المعايير، حتى داخل أكبر الملاعب والمنصات الدولية.
