تقرير – الرباط
بين خطاب الرباط وحسابات مدريد، تتجاوز الأزمة حدود الهجرة لتلامس جوهر العلاقة بين ملكيتين تختلفان في طبيعة سلطاتهما، وتتعارضان في رؤيتهما لسبتة ومليلية ومستقبل التعاون الثنائي.
لم يكن خطاب العاهل المغربي محمد السادس، يوم أمس الجمعة 9 أكتوبر، مجرد مناسبة لتجديد التأكيد على متانة العلاقات المغربية الإسبانية، ولا مجرد رد فعل على أزمة الهجرة التي أعادت مدينة سبتة إلى واجهة التوتر بين البلدين. فقد حمل الخطاب رسائل سياسية تتجاوز الحدث الآني، وتكشف عن رغبة مغربية في إعادة ضبط قواعد الشراكة مع مدريد، على أساس ما وصفه الملك بأنه خيار سيادي والتزام طوعي، لا علاقة يمكن إخضاعها للضغط أو التهديد أو الابتزاز.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها، الذي تزامن مع الجدل السياسي والإعلامي في إسبانيا بشأن تداعيات أزمة سبتة، وقبيل الزيارة المقررة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية.
في هذا السياق، لا تبدو المسألة مجرد خلاف حول تدبير الحدود أو إعادة المهاجرين، بل اختبارا لطبيعة العلاقة بين دولتين تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية واستراتيجية واسعة، بينما تفصل بينهما ملفات سيادية وتاريخية لم تجد طريقها إلى التسوية.
من التعاون إلى إعادة التفاوض
أبرز ما يستوقف المتابع في خطاب محمد السادس هو تأكيده أن التعاون مع إسبانيا لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للضغط على المغرب. فهذه الصياغة تنقل النقاش من مستوى التعاون التقني في مجال الهجرة إلى مستوى أعمق يتعلق بموقع كل طرف داخل العلاقة الثنائية.
بالنسبة إلى الرباط، لا يمكن اختزال الشراكة مع مدريد في مراقبة الحدود أو الحد من تدفقات المهاجرين نحو أوروبا. فالمغرب يريد أن تكون العلاقة أوسع من ذلك، وأن تشمل التنمية والاستثمار والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، مع الاعتراف المتبادل باستقلال القرار السياسي لكل دولة.
ومن هنا، يمكن فهم الإعلان عن توجه نحو استراتيجية جديدة للتعاون باعتباره محاولة لإعادة تعريف الإطار الذي يحكم العلاقات بين البلدين. غير أن القيمة الفعلية لهذا الإعلان ستظل رهينة بما ستتضمنه المقترحات العملية، وبمدى استعداد الطرفين لتحويل المبادئ المعلنة إلى التزامات متبادلة وواضحة.
فالحديث عن الشراكة والندية يكتسب معناه الحقيقي عندما ينعكس على آليات اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات، لا عندما يظل محصوراً في الخطاب السياسي.
سبتة ومليلية: جوهر الخلاف الذي لا تقوله البيانات الدبلوماسية كاملة
يصعب قراءة التطورات الأخيرة بمعزل عن ملف سبتة ومليلية، المدينتين اللتين تشكلان إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية بين المغرب وإسبانيا.
فمدريد تعتبر المدينتين جزءا من الأراضي الإسبانية، وترى في الزيارات الملكية إليهما ممارسة طبيعية لسيادة الدولة. أما الرباط، فتتمسك بموقفها المطالب بإنهاء الوجود الإسباني فيهما، وتعتبرهما جزءا من ملف تاريخي وسياسي لم يُحسم.
وفي ظل هذا التعارض، تكتسب زيارة فيليبي السادس إلى المدينتين دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي. فهي تعيد تأكيد الموقف الإسباني بشأن السيادة، في وقت تحاول فيه الرباط تثبيت خطاب سياسي يقوم على رفض أي صيغة تُفهم باعتبارها انتقاصاً من سيادتها أو من قدرتها على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.
إن جوهر المشكلة هنا أن الطرفين لا ينظران إلى السيادة من الزاوية نفسها عندما يتعلق الأمر بالمدينتين. وما دامت هذه المسألة قائمة من دون تسوية، فإن أي تطور في ملف الهجرة أو الأمن الحدودي سيظل قابلا للتأثر بالخلاف السياسي.
الصحافة الإسبانية: خطاب عاطفي أم رسالة سياسية محسوبة؟
ركزت تغطيات إعلامية إسبانية، من بينها تقارير نشرتها صحف ووسائل إعلام عامة، على انتقاد محمد السادس ما وصفه باستغلال بعض الأوساط السياسية والإعلامية لأزمة سبتة، وعلى رفضه إخضاع التعاون الثنائي للضغط والتهديد والابتزاز.
كما أبرزت التغطيات انتقاده للعراقيل القانونية والقضائية المرتبطة بإعادة القاصرين، وإعلانه أن نموذج التعاون الحالي في مجال الهجرة بلغ حدوده.
ومع ذلك، فإن البعد العاطفي حاضر بوضوح في مفردات السيادة والكرامة ورفض الابتزاز. وهي مفردات تخاطب الرأي العام المغربي، وتقدم التعاون مع إسبانيا بوصفه علاقة ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل لا على منطق التبعية.
لكن الخطاب لا يتوقف عند هذا المستوى الرمزي؛ إذ يتضمن أيضا اعتراضات محددة على السياسات والإجراءات الإسبانية. وهذا ما يجعله أقرب إلى محاولة لإعادة رسم حدود التفاوض منه إلى مجرد خطاب تعبوي موجه للاستهلاك الداخلي.
حين يدخل القضاء على خط الأزمة
من أبرز نقاط الخلاف التي كشفها الخطاب انتقاد بعض القواعد القانونية والأحكام القضائية الإسبانية التي يرى المغرب أنها تعرقل إعادة القاصرين والمهاجرين.
وتكشف هذه المسألة عن اختلاف في منطق التعامل مع الأزمة. فالرباط تنظر إلى إعادة المهاجرين، وضبط الحدود، والتعاون الأمني باعتبارها عناصر أساسية في الشراكة الثنائية. أما في إسبانيا، فتخضع هذه الملفات أيضاً لقواعد حماية القاصرين، وإجراءات اللجوء، والضمانات القانونية، واستقلال القضاء.
ومن ثم، فإن ما تعتبره الرباط عائقا أمام تنفيذ التفاهمات قد تعتبره المؤسسات الإسبانية تطبيقا لالتزامات قانونية لا يجوز تجاوزها بقرار سياسي.
لأن الحكومة الإسبانية لا تستطيع ببساطة تجاوز الأحكام القضائية أو الالتفاف على الضمانات القانونية استجابة لمطالب شريك خارجي، كما أن المغرب لا يستطيع افتراض أن التعاون الأمني يمنحه حق تحديد كيفية تطبيق القانون الإسباني.
لذلك، فإن تجاوز هذا الخلاف يتطلب آليات واضحة للتنسيق، وتحديدا دقيقا للمسؤوليات، وضمانات تحترم القانون وحقوق المعنيين، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
هل نحن أمام تصادم بين ملكيتين؟
قد يوحي تزامن الخطاب المغربي مع زيارة العاهل الإسباني المرتقبة بأن الأمر يتعلق بمواجهة بين محمد السادس وفيليبي السادس. لكن هذا التوصيف يحتاج إلى قدر من الحذر.
فالمقارنة بين الملكيتين تكشف اختلافا مهما في طبيعة النظامين السياسيين. ففي إسبانيا، يمارس الملك مهامه باعتباره رأس الدولة ورمز وحدتها واستمرارها ضمن نظام ملكي برلماني دستوري، بينما تتولى الحكومة المنتخبة إدارة السياسة العامة في إطار الدستور والقانون.
أما في المغرب، فيحتل الملك موقعا مركزيا في النظام الدستوري والسياسي وهو الحاكم الفعلي، ويتمتع بكل الصلاحيات في المجالات الاستراتيجية، بما فيها التوجهات الكبرى للدولة وعلاقاتها الخارجية.
ويعني هذا الاختلاف أن الخطاب الملكي المغربي يحمل دلالات مباشرة بشأن توجه الدولة، في حين لا يمكن التعامل مع كل موقف أو زيارة يقوم بها الملك الإسباني باعتبارها قرارا شخصيا منفصلاً عن الإطار الدستوري والمؤسساتي الذي يحكم عمله.
وعليه، فإن ما يجري لا يمكن اختزاله في تنافس شخصي بين عاهلين، بل ينبغي فهمه باعتباره تعارضا بين تصورات السيادة والمصالح الاستراتيجية، تتداخل فيه المؤسسات الحكومية والبرلمانية والقضائية، فضلا عن الرأي العام في البلدين.
فالملكيتان ليستا بالضرورة في حالة صدام شامل، لكنهما تتحركان داخل ملف تتعارض فيه مطالب الرباط بشأن سبتة ومليلية مع الموقف الإسباني، وتتباين فيه أولويات إدارة الهجرة وحدود المسؤولية القانونية.
المغرب وإسبانيا: أوراق ضغط متبادلة
لا تخلو العلاقة بين البلدين من عناصر قوة متبادلة. فالمغرب يحتل موقعا جغرافيا استراتيجيا عند المدخل الجنوبي لأوروبا، ويؤدي دورا مهما كدركي وحارس لبوابة أوروبا. كما يشكل شريكا اقتصاديا وسياسيا مهما لإسبانيا في شمال إفريقيا.
في المقابل، تستند إسبانيا إلى عضويتها في الاتحاد الأوروبي، وإلى قدراتها الاقتصادية والقانونية والمؤسساتية، فضلا عن موقعها داخل السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة والأمن والتعاون مع دول الجوار.
وهذا التشابك يجعل من الصعب على أي طرف تحويل عناصر قوته إلى مكاسب مطلقة من دون تحمل تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية.
فإذا تحولت الهجرة إلى وسيلة ضغط متبادلة، فقد تتضرر الثقة اللازمة لاستمرار التعاون الأمني. وإذا أصرت مدريد على التعامل مع المطالب المغربية باعتبارها مجرد ردود فعل ظرفية، فقد تجد نفسها أمام خلافات متجددة يصعب احتواؤها. وفي المقابل، فإن تجاهل الاعتبارات القانونية والسياسية الإسبانية لن يفضي بالضرورة إلى تنازلات من جانب مدريد.
يكشف خطاب محمد السادس عن رغبة في تثبيت مبدأ أساسي على أن التعاون مع إسبانيا ينبغي أن يستند إلى الاختيار المتبادل لا إلى الضغط، وأن إدارة الهجرة لا يمكن أن تكون الإطار الوحيد الذي تُقاس به العلاقة بين البلدين.
وفي المقابل، تتمسك مدريد بموقفها بشأن سبتة ومليلية، وبضرورة إدارة ملفات الهجرة وفق قوانينها والتزاماتها الأوروبية.
وبين الموقفين، تتكشف معادلة معقدة تجمع بين السيادة والأمن والقانون والمصالح الاقتصادية. وهي معادلة لا يمكن حسمها بمجرد استخدام لغة سياسية أكثر حدة، ولا بمجرد التأكيد على متانة العلاقات.
إن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الخطاب ليس ما إذا كان محمد السادس قد وجّه تحديا إلى فيليبي السادس، بل ما إذا كانت الرباط ومدريد قادرتين على بناء شراكة تستوعب خلافاتهما السيادية من دون تحويل كل أزمة إلى اختبار جديد للندية.
فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على البلدين استمرار التعامل مع بعضهما، لكنهما لا يضمنان وحدهما نجاح هذه العلاقة. ما سيحدد مسارها هو قدرة الطرفين على الانتقال من تبادل الرسائل السياسية إلى تفاوض عملي يحترم القانون، ويحدد المسؤوليات، ويعترف بوجود خلافات لا يمكن إخفاؤها خلف لغة المجاملة الدبلوماسية.
