تقرير – الحسيمة
في تطور أمني وقضائي لافت، أسفرت الأبحاث والتحريات الجارية على خلفية حادثة إمزورن، التي انتهت بمقتل شرطي أثناء تدخل أمني، عن توقيف 22 عنصرا من الدرك الملكي، ووضعهم تحت تدبير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة، في إطار التحقيقات الرامية إلى كشف جميع ملابسات القضية وتحديد المسؤوليات والامتدادات المرتبطة بها.
وتأتي هذه التوقيفات في سياق تحقيق أمني وقضائي واسع تقوده الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، تحت إشراف مدير الشرطة القضائية على المستوى الوطني، محمد الدخيسي، بعدما بدأت التحقيقات تكشف عن خيوط تتجاوز تفاصيل المواجهة المسلحة التي شهدتها مدينة إمزورن.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الأبحاث لم تعد تقتصر على الأشخاص المرتبطين مباشرة بالواقعة، وإنما امتدت إلى عناصر أمنية ودركية ومسؤولين يجري التحقيق معهم حول ظروف وملابسات القضية، وما إذا كانت هناك أفعال أو تقصير أو تسهيلات ساهمت في تطور الأحداث التي انتهت بسقوط الشرطي حمزة الزعام أثناء أدائه لواجبه.
22 دركيا تحت البحث
ويشكل توقيف 22 عنصرا من الدرك الملكي أبرز تطور في هذا الملف حتى الآن، بالنظر إلى العدد الكبير للأشخاص الذين شملتهم الأبحاث.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد جرى إخضاع الموقوفين للحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة، في انتظار استكمال إجراءات البحث والاستماع إليهم وتحديد طبيعة الأفعال المنسوبة إلى كل واحد منهم.
ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المتداولة، بإجراء واحد معزول، وإنما بأبحاث واسعة ترمي إلى تفكيك مختلف حلقات الملف المرتبط بشكل رئيسي بتجارة الكوكايين، ومعرفة ما إذا كانت هناك علاقات أو تنسيقات أو أفعال أخرى مرتبطة بالواقعة الأصلية.
التحقيق يطال مسؤولا دركيا
وفي تطور أكثر حساسية، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الأبحاث شملت كذلك مسؤولا أمنيا يشغل منصب قائد سرية للدرك الملكي، حيث يخضع بدوره للتحقيق بشأن شبهات يجري التحقق منها في ارتباط بظروف وملابسات ملف إمزورن.
ووجود مسؤول برتبة قيادية ضمن دائرة التحقيقات يرفع من مستوى حساسية الملف، خصوصاً أن القضية تتعلق بمواجهة مسلحة أسفرت عن مقتل رجل أمن وإصابة عناصر من الدرك وشخص مدني.
وتحاول التحقيقات، وفق المعطيات المتوفرة، تحديد ما إذا كانت هناك مسؤوليات فردية أو جماعية، وما إذا كانت بعض المعطيات المرتبطة بالتحركات أو الاتصالات أو الأشخاص الذين كانوا تحت المراقبة قد لعبت دورا في تطورات القضية.
من مقتل شرطي إلى خيوط الكوكايين
الأخطر في مسار التحقيقات هو أن الأبحاث لا تتوقف عند حادثة إمزورن في حد ذاتها، وإنما تبحث أيضاً في شبهات وجود صلات محتملة بين بعض المسؤولين أو الأشخاص موضوع التحقيق وشبكات تنشط في الاتجار الدولي بالمخدرات، وعلى رأسها الكوكايين.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد رصد المحققون اتصالات يشتبه في ارتباطها بأفراد ينشطون في شبكة إجرامية، وهو ما دفع التحقيقات إلى توسيع نطاق البحث من أجل تحديد طبيعة هذه الاتصالات وما إذا كانت تحمل طابعاً إجرامياً أو ترتبط بأنشطة غير مشروعة.
خلفية ثقيلة.. مطلوب في قضايا المخدرات
وتعود القضية إلى العملية الأمنية التي شهدتها إمزورن يوم 7 شتنبر 2026، عندما تدخلت مصالح الشرطة القضائية لتوقيف شخص كان موضوع عدة مذكرات بحث وطنية للاشتباه في تورطه في جرائم خطيرة، من بينها الاتجار في المخدرات الصلبة وتكوين عصابة إجرامية وتنظيم الهجرة غير الشرعية ومحاولة القتل باستعمال سلاح ناري.
وخلال محاولة توقيفه، اندلعت مواجهة مسلحة استعمل خلالها المشتبه فيه بندقية صيد، ما أدى إلى إصابة شرطي توفي متأثراً بجروحه، فيما أصيب دركيان وشخص مدني، قبل أن تتمكن القوات الأمنية من توقيف المشتبه فيه.
كما تحدثت المعطيات الرسمية عن تدخل أشخاص آخرين ينتمون إلى العصابة الإجرامية نفسها، حاولوا عرقلة العملية باستعمال مركبتين، مع استعمال السلاح الناري في مواجهة عناصر الشرطة القضائية.
لماذا 22 دركيا؟
العدد الكبير للموقوفين من عناصر الدرك يطرح سؤالا مركزيا داخل هذا الملف، فما الذي تبحث عنه الفرقة الوطنية تحديداً؟
هل يتعلق الأمر بتحديد المسؤوليات المهنية المرتبطة بالواقعة؟ أم أن التحقيقات تبحث في مسار أوسع يتعلق بطريقة تحرك الشبكة الإجرامية؟
أم أن المحققين يحاولون معرفة ما إذا كانت هناك تسريبات للمعلومات أو تسهيلات أو علاقات غير مشروعة سمحت لبعض أفراد الشبكة بالتحرك أو الإفلات من المراقبة؟
هذه الأسئلة تبدو في صلب الأبحاث الحالية، خصوصا مع دخول الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على خط التحقيقات واتساع دائرة الأشخاص الذين شملتهم الإجراءات.
الكوكايين.. الخيط الذي يقود إلى ما وراء إمزورن
وتأتي هذه التطورات في منطقة شهدت خلال الأسابيع الماضية عمليات أمنية مرتبطة بالمخدرات.
ففي 28 غشت الماضي، أسفرت عملية مرتبطة بحادثة سير على الطريق الوطنية بين الحسيمة والناظور عن حجز نحو 1.2 كيلوغرام من الكوكايين، مع فتح بحث لتحديد مصدر المخدرات ووجهتها وهوية المتورطين المحتملين.
كما شهدت إمزورن في 25 شتنبر عمليات أمنية أسفرت عن توقيف أربعة أشخاص للاشتباه في حيازة وترويج المخدرات القوية، مع حجز كمية من الكوكايين.
الدخيسي في الحسيمة.. التحقيق يأخذ منحى أكثر جدية
ويأتي إشراف محمد الدخيسي على العملية في سياق تصاعد مستوى الأبحاث، خصوصا مع اتساع رقعة التحقيقات وتعدد الأطراف التي يجري الاستماع إليها.
وجود الفرقة الوطنية للشرطة القضائية يعني أن التحقيق لم يعد محصورا في المستوى المحلي، بل أصبح يتعامل مع الملف باعتباره قضية تتطلب تتبعا دقيقا لمختلف الخيوط والاتصالات والعلاقات المحتملة.
التحقيقات الحالية تحاول معرفة ما حدث قبل المواجهة، وكيف تحرك المشتبه فيهم، ومن كانوا على اتصال بهم، ومن قدم لهم المساعدة وما إذا كانت هناك امتدادات لشبكة المخدرات داخل المنطقة أو خارجها.
ومع استمرار التحقيقات، تبقى إمكانية اتخاذ إجراءات جديدة قائمة، سواء تعلق الأمر بتوقيف أشخاص آخرين أو توسيع دائرة الأبحاث لتشمل مسؤولين وأفراداً يشتبه في وجود علاقة لهم بالملف.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات، يبقى الملف مفتوحا على تطورات جديدة، خصوصا أن توقيف 22 دركيا دفعة واحدة يكشف، في حد ذاته، عن اتساع دائرة الأبحاث وحجم الأسئلة التي باتت مطروحة أمام المحققين.
