تقرير – الرباط
هل يحق لبنكيران تحميل العثماني وحده كلفة اتفاق 2020؟
وثائق وشهادات تعيد فتح ملف استضافة شخصية إسرائيلية في المؤتمر السابع لـ العدالة والتنمية.
عاد ملف العلاقة مع “إسرائيل” والتطبيع إلى واجهة النقاش داخل حزب العدالة والتنمية المغربي، لكن هذه المرة من بوابة صراع داخلي بين أمينه العام الحالي عبد الإله بنكيران، وسلفه سعد الدين العثماني.
ففي لقاء حزبي بإقليم النواصر، وجّه بنكيران انتقادات مباشرة إلى العثماني، مطالبا إياه بالابتعاد عن الشأن الداخلي للحزب، ومستخدما عبارة “الزم بيتك وشد تيقارك”، قبل أن يربط موقفه بتوقيع العثماني على الاتفاق المتعلق باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في دجنبر 2020، قائلا إن الحزب ما زال يتعرض للانتقاد بسبب ذلك التوقيع
وبعد 14 عاما، تعود صورة بنكيران إلى جانب الصهيوني عوفير برونشتاين لتطرح سؤالا محرِجا حول ما إذا كان حضور الشخصية الإسرائيلية في مؤتمر العدالة والتنمية مجرد “خطأ” كما قيل آنذاك، أم أنه مثّل بداية تطبيع سياسي جرى لاحقا الانتقال به من الكواليس إلى الاتفاق الرسمي؟

بينما يحمّل بنكيران العثماني اليوم جزءا من الكلفة السياسية لاتفاق استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية الموقع في دجنبر 2020، تعود إلى الواجهة واقعة أقدم بكثير، عندما قام بنكيران باستضافة الإسرائيلي عوفير برونشتاين، مستشار رئيس الوزاء السابق إسحاق رابين، في المؤتمر الوطني السابع للحزب سنة 2012.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى، مجرد حادثتين منفصلتين. الأولى تتعلق بضيف في مؤتمر حزبي، والثانية باتفاق رسمي بين دولة وكيان مجرم. لكن وضعهما جنبا إلى جنب يفتح سؤالا سياسيا يصعب تجاهله حول ما إذا كان حضور برونشتاين في 2012 مجرد واقعة عابرة، أم أنه مثّل إحدى أولى حلقات كسر الحاجز السياسي والنفسي أمام التواصل العلني مع شخصيات إسرائيلية داخل حزب إسلامي كان يعلن رفضه للتطبيع؟
الصهيوني برونشتاين يدخل من باب المؤتمر
في يوليوز 2012، كان العدالة والتنمية يعيش واحدة من أهم لحظاته السياسية. الحزب وصل إلى رئاسة الحكومة، وعبد الإله بنكيران كان أمينه العام، والمؤتمر الوطني السابع شكل محطة لإعادة ترتيب القيادة وتثبيت موقع الحزب في المشهد السياسي المغربي.
في ذلك المؤتمر ظهر عوفير برونشتاين بين الضيوف. لم يكن الرجل شخصية إسرائيلية عادية أو اسما مجهولا. فقد ارتبط اسمه بإسحاق رابين وبمسار المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.
وجوده داخل مؤتمر حزب العدالة والتنمية أثار وقتها غضبا وجدلا واسعا، خصوصا أن الحزب كان يتبنى موقفا معلنا مناهضا للتطبيع.
لكن اللافت أن المسألة لم تنته بإبعاد الضيف أو التنصل منه فقط، بل تحولت إلى أزمة احتاجت قيادة المؤتمر إلى احتوائها ببلاغ رسمي واعتذار عن «أي تقصير أو تجاوز».
والأهم أن الرواية التنظيمية نفسها أكدت أن اسم برونشتاين مر عبر مراحل الاقتراح والدراسة والمصادقة، قبل أن يصل إلى الأمانة العامة باعتباره “شخصية فرنسية” تدافع عن حقوق الفلسطينيين.
هنا تحديدا تبدأ القصة الأكثر إثارة. فإذا كان حضور الرجل مجرد خطأ إداري، فإذن كيف تمكنت شخصية بهذه الخلفية السياسية من الوصول إلى مؤتمر حزب يقود الحكومة، وأن تمر دعوتها عبر أكثر من مستوى تنظيمي؟

أما إذا كان الأمر نتيجة انفتاح سياسي مقصود على شخصية إسرائيلية تقدم نفسها باعتبارها داعية للسلام، فإن المسألة تصبح أكثر من مجرد «سوء فهم» في لائحة الضيوف.
رواية برونشتاين تقلب القصة
الأكثر إحراجا لقيادة الحزب أن برونشتاين نفسه قدم لاحقا رواية مختلفة. ففي تصريحات نقلت عنه عقب المؤتمر، قال إن عبد الإله بنكيران كان يعرف أنه “إسرائيلي”، وإنه قدم نفسه له باعتباره فرنسيا إسرائيليا يحمل أيضا جواز سفر إسرائيليا وينشط في مجال السلام. كما قال إن سعد الدين العثماني كان يعرف بدوره أنه يحمل جواز سفر إسرائيليا
وهنا تصبح صورة برونشتاين إلى جانب بنكيران أكثر من صورة عابرة من أرشيف مؤتمر حزبي.

من “خطأ في الدعوة” إلى نافذة على “إسرائيل”
في ذلك الوقت، سارعت قيادة العدالة والتنمية إلى التأكيد أن استضافة برونشتاين لا تعني التطبيع. وهذا مفهوم سياسيا؛ فالحزب كان في بداية تجربته الحكومية، وكان حريصا على الحفاظ على صورته ومواقفه بشأن القضية الفلسطينية.
لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال الشعارات المعلنة، وإنما أيضا من خلال الأفعال والاتصالات والرسائل التي تبعثها. وحضور شخصية إسرائيلية مرتبطة برئيس وزراء صهيوني داخل مؤتمر وطني لحزب ذي مرجعية إسلامية كان في حد ذاته، كسرا لحاجز كان قائما.
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن النظر إلى الواقعة باعتبارها حلقة مبكرة في مسار الانفتاح الذي انتهى بعد سنوات، إلى التطبيع الرسمي.
ليس بمعنى أن اتفاق 2020 كان قد تقرر في مؤتمر 2012، ولا أن هناك دليلا على وجود خطة سرية امتدت ثماني سنوات، وإنما بمعنى أن ما كان يُعتبر في 2012 أمرا شديد الحساسية أصبح في 2020 قرارا رسميا. وهذا الفارق هو جوهر القصة.
ثماني سنوات بين الصورة والتوقيع
في 2012، كان وجود إسرائيلي داخل مؤتمر العدالة والتنمية يحتاج إلى تفسير واعتذار ونفي لأي خلفية تطبيعية. وفي 2020، أصبح رئيس الحكومة نفسه يوقع وثيقة رسمية لاستئناف العلاقات مع “إسرائيل”.
وبين الحدثين تغيرت اللغة السياسية، وتغير موقع الحزب، وتغيرت طبيعة المسؤولية. وهنا لا يمكن تجاهل أن العثماني نفسه كان في 2012 واحدا من أبرز قيادات الحزب، بينما كان بنكيران أمينه العام.
وبعد ثماني سنوات، أصبح العثماني هو الرجل الذي وقّع الاتفاق بصفته رئيسا للحكومة. وهذه المفارقة هي التي تجعل استدعاء مؤتمر 2012 اليوم أكثر من مجرد نبش في الماضي.
بنكيران كان في قلب المشهد سنة 2012
السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بالعثماني وحده. ففي الوقت الذي يُعاد فيه تقديم توقيع 2020 باعتباره عبئا سياسيا يتحمل العثماني مسؤوليته، كان بنكيران نفسه يقود الحزب عندما استضاف المؤتمر شخصية إسرائيلية وأثارت الواقعة أزمة داخلية وخارجية.
بل إن المعطيات التي نشرت آنذاك تحدثت عن تواصل مباشر بين برونشتاين وقيادات الحزب. كما نشرت تقارير في ذلك الوقت رواية عن لقاء جمع برونشتاين بخالد مشعل خلال فترة المؤتمر، بحضور قيادات من الحزب، وإن كانت حركة حماس نفت لاحقا صحة رواية اللقاء كما نشرت.
وهذا التفصيل مهم لأنه يوضح طبيعة اللحظة السياسية، حيث شخصية إسرائيلية من جهة، وقيادي بارز في حماس من جهة أخرى، داخل فضاء مرتبط بقيادة حزب العدالة والتنمية.

كانت الرسالة التي أراد الحزب تقديمها آنذاك مختلفة معادها أن التواصل مع شخصية إسرائيلية من أجل السلام لا يعني التطبيع، واستضافة قيادات فلسطينية تعني استمرار دعم القضية الفلسطينية. لكن بعد اتفاق 2020، أصبحت تلك اللحظة قابلة لقراءة أخرى.
هل كان برونشتاين تمهيدا للتطبيع؟
هنا يجب التمييز بين التمهيد السياسي والتخطيط المباشر. ويمكن القول إن استضافة برونشتاين كسرت، ولو جزئيا حاجزا سياسيا مهما، حيث أصبح ممكنا داخل فضاء الحزب استقبال شخصية إسرائيلية، والجلوس معها والتواصل معها، ثم تقديم ذلك باعتباره تواصلا من أجل السلام وليس تطبيعا.
وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل الواقعة تبدو، بعد اتفاق 2020، كأنها تمهيد مبكر لمسار تغيرت لغته قبل أن تتغير نتيجته.
فما كان في 2012 يحتاج إلى تبرير ونفي، أصبح بعد سنوات ممارسة رسمية.
وما كان يُقدَّم آنذاك باعتباره «تواصلا مع ناشط سلام»، أصبح لاحقا جزءا من واقع علاقات دبلوماسية وتجارية وأمنية بين المغرب و”إسرائيل”.
والمفارقة الأكبر: بنكيران دافع عن العثماني في 2020
إذا كانت تصريحات بنكيران الحالية تضع توقيع العثماني في قلب الانتقادات، فإن موقفه في الأيام الأولى التي أعقبت اتفاق 2020 كان مختلفا. فبعد توقيع اتفاقية التطبيع، رفض بنكيران مطالب إقالة العثماني، وقال إن العدالة والتنمية حزب مؤسسات، وإن الحزب جزء من بنية الدولة، ولا يمكن التعامل مع التوقيع وكأنه قرار حزبي شخصي.
وهذه النقطة تعيد ترتيب المسؤوليات. فالعثماني كان رئيس الحكومة، نعم. لكنه لم يكن يتحرك في فراغ سياسي. والقرار لم يكن اتفاقا حزبيا بين العدالة والتنمية و”إسرائيل”، بل قرارا في إطار الدولة والحكومة المغربية.
بل إن المفارقة تبلغ ذروتها عندما نتذكر أن العثماني نفسه كان، قبل أشهر قليلة من توقيع الاتفاق، قد أعلن علنا رفض التطبيع مع إسرائيل، قبل أن يجد نفسه لاحقا في موقع توقيع الإعلان المشترك.
من المسؤول إذن؟
اختزال قصة التطبيع في شخص سعد الدين العثماني وحده يختصر مسارا سياسيا معقدا. العثماني يتحمل بطبيعة موقعه مسؤولية سياسية عن المرحلة التي كان فيها رئيسا للحكومة، وعن التوقيع الذي حمل صفته الرسمية.
لكن الحزب كان يقود الحكومة، والقرار صدر في إطار الدولة، وبنكيران نفسه دافع في لحظته الأولى عن عدم تحويل العثماني إلى كبش فداء سياسي.
وفي المقابل، فإن واقعة 2012 تضع قيادة الحزب السابقة أمام سؤال آخر؛ كيف أصبح التواصل مع شخصية إسرائيلية ممكنا داخل مؤتمر الحزب، ولماذا جرى آنذاك تقديم المسألة باعتبارها مجرد خطأ في التعريف بالضيف؟
وهذا السؤال لا يساوي بين الواقعتين، لكنه يربطهما في تاريخ سياسي واحد.
من برونشتاين إلى التطبيع.. تغيرت الصيغة وبقي السؤال
المفارقة التاريخية أن المسافة بين برونشتاين واتفاق 2020 لم تكن مسافة قطيعة كاملة، بل مسافة انتقال. في البداية ضيف إسرائيلي في مؤتمر حزبي. ثم تواصل سياسي مع شخصية إسرائيلية تقدم نفسها كداعية للسلام، ثم جاءت لحظة توقيع اتفاقية التطبيع.
لهذا فإن صورة بنكيران إلى جانب برونشتاين تستحق أن تعود إلى النقاش، باعتبارها وثيقة سياسية تختصر لحظة كان فيها الباب يُفتح للتواصل مع “إسرائيل”، ولو تحت عنوان السلام والقضية الفلسطينية، قبل أن يتحول التواصل بعد سنوات إلى علاقات رسمية.
بنكيران والعثماني.. من شراكة القيادة إلى صراع الذاكرة
ربما يكون هذا هو الجانب الأكثر دلالة في القصة. الرجلان كانا في قيادة الحزب عندما وقعت أزمة برونشتاين. والرجلان كانا في قيادة الحزب عندما وصل العدالة والتنمية إلى الحكومة.
والعثماني كان رئيسا للحكومة عندما وقع اتفاق 2020. وبنكيران هو اليوم من يعيد تقديم ذلك الاتفاق باعتباره أحد أسباب استمرار الانتقادات الموجهة إلى الحزب.
لكن الذاكرة السياسية لا تسمح بانتقاء محطة واحدة وإسقاط ما قبلها. فإذا كان توقيع العثماني يستحق المساءلة السياسية، فإن تاريخ الحزب في التعامل مع “إسرائيل” يستحق هو الآخر إعادة القراءة.
ومن هنا تصبح واقعة برونشتاين مهمة، لأنها تكشف أن التطبيع لم يظهر فجأة في دجنبر 2020، بل سبقه لسنوات نقاش حول حدود التواصل مع الإسرائيليين، وتدرج في التعامل مع الشخصيات الإسرائيلية، وتبدل في الخطاب السياسي.
الخلاصة: التطبيع لم يبدأ يوم التوقيع
قد يكون من السهل سياسيا وضع تاريخ محدد لبداية التطبيع وهو دجنبر 2020. لكن التاريخ السياسي أكثر تعقيدا من لحظة توقيع. فالتطبيع الرسمي له تاريخ معلن، أما التهيئة السياسية والنفسية لقبول التواصل مع الطرف الآخر فقد تبدأ قبل ذلك بسنوات.
ومن هذه الزاوية، تكتسب استضافة عوفير برونشتاين في مؤتمر العدالة والتنمية سنة 2012 دلالة مختلفة اليوم.
وإذا كان بنكيران يريد تحميل العثماني وحده كلفة التطبيع، فإن صورة برونشتاين في مؤتمر 2012 تذكّر بأن الطريق إلى لحظة التوقيع لم يبدأ في ديسمبر 2020، وأن تاريخ الحزب مع إسرائيل أكثر تعقيدا من أن يُختصر في توقيع رجل واحد.
فبين برونشتاين سنة 2012، وتوقيع العثماني سنة 2020، وتصريحات بنكيران سنة 2026، لا تعود القضية مجرد خلاف بين أمين عام حالي وسلفه.
إنها معركة على من يملك حق كتابة ذاكرة التطبيع داخل العدالة والتنمية، ومن يحدد أين بدأ، ومن يتحمل كلفته السياسية اليوم.
