الحسيمة/ الريف
في زمنٍ تتكاثر فيه السرديات التاريخية وتتنافس على تشكيل الوعي الجماعي، تعود بعض الروايات لتعيد إنتاج أخطاء قديمة في قوالب جديدة، مستفيدة من ضعف التمحيص وقلة التدقيق. وبين الحقيقة والتأويل، يبرز دور الباحثين في تفكيك هذه السرديات وكشف ما يعتريها من مغالطات. في هذا السياق، فند محمد الداودي، الأستاذ الباحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ، ما ورد في مقال حديث نشرته مجلة زمان، تناول مشاركة طيارين أمريكيين في قصف الريف والجبالة سنة 1925.
في تصريح خصّ به منصة “صدى الحقيقة”، انتقد الداودي ما وصفه بـ”المغالطات المتكررة” في تناول بعض الكتابات التاريخية لموضوع مشاركة طيارين أمريكيين في قصف الريف والجبالة سنة 1925 ضمن الأسطول الجوي الفرنسي بالمغرب.
وأوضح الداودي أن مجلة “زمان”، في عدد يونيو 2023، و الذي أعادت نشره مؤخرًا عبر صفحتها على فيسبوك أعادت نشر المغالطات السابقة، بسبب “الكسل في تحري المعلومات”.
خلط بين شخصيتين مختلفتين
وأشار الباحث إلى أن المقال وقع في خطأ جوهري حين ربط بين قائد “سرب الحرس الشريف”، الأمريكي تشارلز سويني، وبين الطيار الأمريكي الذي ألقى القنبلة النووية على مدينة ناكازاكي سنة 1945. وشدد الداودي على أن التشابه في الاسم لا يعني تطابق الشخصيتين، معتبرًا أن اعتماد المجلة على هذا الربط بشكل محوري في بداية المقال ونهايته يعكس خللا منهجيا واضحا، خاصة وأن الفارق الزمني يجعل هذا الربط غير منطقي.

أسطورة “لافاييط” تعود للواجهة
كما انتقد الداودي إعادة المجلة للربط بين سرب “لافاييط” في الحرب العالمية الأولى وسرب الحرس الشريف، موضحا أنه لا يوجد أي طيار من سرب “لافاييط” ضمن هذا التشكيل. واعتبر أن هذا الربط ليس سوى “فبركة إعلامية” فرنسية قديمة، استُخدمت لأغراض دعائية لتعزيز صورة التعاون الأمريكي-الفرنسي، عبر توظيف رمزية اسم “لافاييط” المرتبط تاريخيًا بحرب الاستقلال الأمريكية.
مغالطات حول القدرات العسكرية للريفيين
وفي نقطة ثالثة، فنّد الباحث ما ورد في المقال بخصوص امتلاك الريفيين لأسلحة مضادة للطائرات، مؤكدًا أن هذا الادعاء مبني على مصادر “مجزأة ومغلوطة”.
وأرجع الداودي تكرار هذه الأخطاء إلى اعتماد عدد من الباحثين على مرجعين أساسيين فقط، أحدهما للباحث المغربي مصطفى عزو، والآخر للمؤرخ العسكري الأمريكي ويليم دين، مشيرًا إلى أن هذين العملين يحتويان بدورهما على أخطاء. وأضاف أن نفس هذه المعطيات يتم تداولها في مؤلفات لاحقة، مثل كتب مصطفى المرون ومصطفى بن شريف، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس المغالطات في مختلف الكتابات.
تشابه الأسماء في سياق تاريخي دموي
وفي سياق تحليلي، توقف الداودي عند المفارقة المرتبطة بتشابه اسم “تشارلز سويني” في حدثين تاريخيين مختلفين، جمعتهما ممارسة العنف ضد المدنيين.
ففي شهادة تعود إلى سنة 1925، صرّح قائد سرب الحرس الشريف، تشارلز سويني، قائلًا: “الحرب المغربية (يقصد حرب الريف) هي الحرب الأكثر أخلاقية من كل الحروب التي شهدت. هناك حرص شديد على التخفيف من إيذاء العدو، ومن المذهل أن نعاين العناية التي يتم بها التعامل باعتدال مع رجال القبائل لإعادتهم إلى حالة السلم والازدهار. إنها حرب قروسطية، ثارت فيها شعوب داكنة ضد الحضارة الأوروبية”.

أما بعد عشرين عامًا، فقد أدلى الطيار الأمريكي تشارلز سويني، قائد طائرة B-29 التي ألقت القنبلة الذرية على ناكازاكي سنة 1945، بتصريح قال فيه: “كنت أرى كيف أن قوة عسكرية شريرة (اليابانيون) كانت تذبح الشباب اليافعين. ليس لدي شك على الإطلاق بأن الرئيس ترومان قد اتخذ القرار الصحيح. كل حياة ثمينة، لكني لم أحس بأي ندم أو ذنب جراء قصفي لمدينة ناكازاكي”.
وتكشف هذه المعطيات، كما يؤكد الداودي، أن معركة كتابة التاريخ لا تقل أهمية عن الأحداث نفسها، وأن تكرار الأخطاء لا يجعلها حقائق، بل يكرّس تشويه الذاكرة الجماعية. وبين التوثيق العلمي والسرديات المتداولة، تبقى الحاجة ملحّة إلى إعادة قراءة هذا الماضي بعين نقدية صارمة، تضع الوقائع في سياقها الصحيح، وتعيد الاعتبار للحقيقة بعيدًا عن التبسيط والدعاية.
