- رياضة
في كل مونديال يظهر لاعب يلفت الأنظار بقدميه، لكن نادرا ما يظهر لاعب يخطف الإعجاب بعقله قبل قدميه. هذا هو حال أيوب بوعدي، الفتى المغربي الأمازيغي الذي لا يكتفي بلعب كرة القدم، بل يبدو وكأنه يحل معادلاتها.
وفي عالم كرة القدم، تظهر المواهب كل يوم، لكن القليل منها ينجح في فرض نفسه كلاعب مختلف. لاعب لا تجذبك إليه أهدافه أو مراوغاته فقط، بل الطريقة التي يفكر بها. وحين يتعلق الأمر بأيوب بوعدي، فإن الحديث عن موهبة كروية واعدة يصبح ناقصا ما لم يُستكمل بالحديث عن عقل استثنائي يقف خلف تلك الموهبة.
ليس من المعتاد أن يرتبط اسم لاعب شاب بالرياضيات أكثر من ارتباطه بالأهداف والتمريرات الحاسمة، لكن بوعدي كسر هذه القاعدة مبكرا. ففي الوقت الذي كان فيه أبناء جيله يركزون على أحلامهم الكروية، كان هو يشق طريقه أيضا داخل الفصول الدراسية، محققا شهادة البكالوريا العلمية في سن السادسة عشرة، قبل أن يواصل دراسة الرياضيات في الجامعة بالتوازي مع مسيرته الاحترافية.
قد تبدو هذه التفاصيل مجرد محطة عابرة في سيرة لاعب كرة قدم، لكنها في حالة بوعدي تفسر الكثير مما يحدث داخل الملعب.
فعندما تتابع تحركاته، تشعر وكأنك أمام لاعب يرى المباراة بطريقة مختلفة. لا يركض نحو المساحات فقط، بل يتوقع ظهورها. لا يمرر الكرة إلى حيث يوجد زميله، بل إلى حيث سيكون بعد ثوانٍ. وكأن عقله يعالج عشرات المعطيات في اللحظة نفسها، ثم يقدم الحل الأكثر دقة وبساطة.
ربما لهذا السبب لم يكن مستغربا أن يعترف اللاعب نفسه بأن الرياضيات تساعده على فهم كرة القدم بشكل أسرع. فبالنسبة إلى بوعدي، لا تبدو المباراة مجرد صراع بدني بين فريقين، بل منظومة معقدة من الزوايا والمسافات والاحتمالات. وكلما ازدادت المعطيات تعقيدا، ازداد حضوره وضوحا.
في الرياضيات، لا يكفي أن تعرف الأرقام، بل يجب أن تفهم العلاقات التي تربط بينها. والأمر نفسه ينطبق على كرة القدم الحديثة. فالمباريات الكبرى لا يحسمها دائمًا الأسرع أو الأقوى، بل اللاعب القادر على قراءة المشهد قبل الآخرين. وهنا تحديدا تكمن قوة بوعدي.
من يشاهد اللاعب الشاب يدرك أن موهبته لا تبدأ من قدميه، بل من عقله. فهدوؤه تحت الضغط، وقدرته على اختيار القرار الصحيح، وسرعة استيعابه لمجريات اللعب، كلها مؤشرات على نضج يتجاوز عمره بكثير. وهي الصفات نفسها التي جعلت مدربيه يتحدثون عنه باعتباره مشروع قائد داخل الملعب، لا مجرد لاعب وسط موهوب.
ولأن كرة القدم الحديثة أصبحت أكثر ارتباطًا بالتحليل والبيانات والذكاء التكتيكي، يبدو أيوب بوعدي نموذجا مثاليا للاعب المستقبل. لاعب يجمع بين المعرفة الأكاديمية والفهم الكروي، وبين الدراسة والمنافسة، وبين موهبة القدم وانضباط العقل.
لهذا لا يبدو لقب “أينشتاين المونديال” مجرد مبالغة إعلامية أو وصف عابر. إنه لقب وُلد من مسار استثنائي جمع بين دفاتر الرياضيات وملاعب كرة القدم، وبين شغف التعلم وشغف الانتصار.
وفي الوقت الذي يتابع فيه الجمهور أهداف النجوم ولمحاتهم الفنية، يواصل أيوب بوعدي كتابة قصته بطريقة مختلفة. قصة لاعب يثبت، مباراة بعد أخرى، أن العبقرية ليست حكرا على المختبرات وقاعات الجامعات، بل يمكنها أيضا أن ترتدي قميصا رياضيا وتظهر كل أسبوع على المستطيل الأخضر.
إنه أيوب بوعدي الفتى الذي يدرس المعادلات في الجامعة، ثم يذهب إلى الملعب ليجعل الجماهير تشاهد نتائجها.
