- عماد العتابي
لم تكن أمستردام، في تلك الليلة المشحونة عقب مباراة كرة القدم قبل عدة أشهر، مجرد مدينة أوروبية أخرى تعيش صخب الجماهير وانفعالات المدرجات. كانت لحظة سياسية وأخلاقية مكثفة، كشفت مرة أخرى أن فلسطين لم تعد قضية بعيدة جغرافيا عن أوروبا، بل تحولت إلى مرآة تعكس تناقضاتها العميقة، وازدواجية خطابها حول الحرية وحقوق الإنسان.
في تلك اللحظة، بدا أبناء الريف وعموم المغرب، الذين تصدوا لعربدة عناصر مرتبطة بالموساد ومناصري الاحتـ..لال، وكأنهم يختصرون تاريخا طويلا من الوعي الشعبي المغربي بالقضية الفلسطينية؛ وعيٌ لا تحكمه الحسابات الدبلوماسية الباردة وانبطاح المغرب الرسمي للاسرائيليين، بل تحركه قناعة راسخة بأن فلسطين ليست ملفا عاديا، بل قضية كرامة وعدالة إنسانية.
ومن أمستردام إلى بروكسيل، ومن ملاعب الكرة إلى المسارح وقاعات الموسيقى إلى عالم السياسة، يتكرر المشهد ذاته، مغاربة أوروبا يتحولون إلى أحد أكثر الأصوات وضوحا وصلابة في الدفاع عن فلسطين، في وقت اختارت فيه الدولة المغربية التطبيع وتسليم البلاد واختارت مؤسسات أوروبية كثيرة الاحتماء خلف خطاب “الحياد” الذي لم يعد يقنع أحدا.
قرار الفنان والمخرج البلجيكي المغربي محمد أوشن الانسحاب من مجلس إدارة مركز الفنون “Bozar” لم يكن مجرد موقف شخصي أو احتجاج ثقافي محدود. لقد كان صفعة أخلاقية لمؤسسات أوروبية تحاول تسويق الفن باعتباره فضاء منزوع السياسة، بينما تغض الطرف عن الدم الفلسطيني المسفوك يوميا في غزة.
أوشن فهم ما تحاول النخب الثقافية الغربية تجاهله، كون لا وجود لثقافة بريئة في زمن المجازر. فلا يمكن للمسرح أن يتحول إلى مساحة “تطبيع ناعم” مع مؤسسات مرتبطة بكيان يرتكب جرائم حرب، ثم يُطلب من الضحايا ومن المتضامنين معهم أن يلتزموا الصمت باسم الفن والحوار والانفتاح.
إن أكبر كذبة تروجها المؤسسات الثقافية الأوروبية اليوم هي أسطورة “الحياد الثقافي”. فالحياد، عندما يتعلق الأمر بالمجازر ليس موقفا أخلاقيا، بل شكل آخر من أشكال التواطؤ. والتاريخ لم يتذكر يوما الذين صمتوا باسم التوازن، بل تذكر أولئك الذين امتلكوا شجاعة الانحياز للإنسان.
المفارقة أن أوروبا التي تدافع بشراسة عن حرية التعبير حين يتعلق الأمر بقضايا أخرى، تتحول فجأة إلى فضاء خانق عندما تُرفع فلسطين في الملاعب أو تُذكر غزة فوق خشبة المسرح أو في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
هنا بالضبط يبرز اسم حكيم زياش، ليس فقط كلاعب كرة قدم عالمي، بل كرمز لجيل جديد من الرياضيين الذين رفضوا أن يتحولوا إلى آلات صامتة لإنتاج الفرجة والمال. زياش لم يرتكب جريمة حين عبّر عن تضامنه مع المدنيين في غزة، لكنه عوقب إعلاميا وسياسيا لأنه كسر جدار الصمت المفروض على النجوم الرياضيين.
الهجوم الذي تعرض له من طرف شخصيات إسرائيلية متطرفة لم يكن موجها إلى لاعب كرة قدم فقط، بل كان رسالة ترهيب لكل شخصية عامة تفكر في إعلان تضامنها مع فلسطين.
وما حدث مع أنور الغازي كان أكثر فجاجة ووضوحا. لاعب يُفصل من ناديه فقط لأنه رفض التراجع عن دعمه لغزة، ثم يثبت القضاء لاحقا أن القرار غير قانوني. أي نفاق أكبر من هذا؟ كيف يمكن للمؤسسات الرياضية الأوروبية أن تتحدث صباحا عن حرية الرأي، ثم تعاقب مساء من يستخدم هذه الحرية للدفاع عن شعب يُقصف ويُقتل؟
أما لامين يامال، برفعه علم فلسطين وسط احتفالات برشلونة، فقد وجّه رسالة رمزية قوية إلى جيـل جديد بأكمله لم يعد يخاف من الابتزاز الإعلامي والسياسي، ولم يعد مستعدا للتخلي عن إنسانيته مقابل القبول داخل المنظومة الغربية.
ما يجمع أوشن وزياش والغازي ويامال والعشرات من المشاهير المغاربة ليس فقط أصولهم المغربية، بل امتلاكهم شيئا أصبح نادرا في هذا العصر، وهي الشجاعة الأخلاقية.
لقد أدرك هؤلاء أن الشهرة بلا موقف مجرد سلعة، وأن الفن والرياضة يفقدان معناهما عندما يتحولان إلى أدوات صامتة أمام المذابح. لذلك اختاروا أن يدفعوا ثمن مواقفهم، لأنهم يعرفون أن الصمت في زمن الإبادة ليس حيادا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
المغرب، الذي حاول كثيرون اختزاله في صور فولكلورية أو في أدوار اقتصادية وسياحية داخل أوروبا، يقدّم اليوم عبر أبنائه وجها آخر أكثر عمقا وتأثيرا، وجها يرفض الانحناء للرواية المهيمنة، ويُصر على أن فلسطين ستظل معيارا أخلاقيا يكشف حقيقة القيم الغربية وحدودها.
سقط قناع “حرية التعبير” الانتقائية، وقناع “الفن المحايد”، وقناع “الرياضة البعيدة عن السياسة”. وكلما حاولت المؤسسات الغربية إسكات الأصوات المتضامنة مع غزة، ازدادت هذه الأصوات قوة وانتشارا.
لأن الحقيقة البسيطة التي لم تعد أوروبا قادرة على إخفائها هي أن فلسطين لم تعد مجرد قضية شعب محاصر، بل أصبحت اختبارا أخلاقيا للعالم كله.
وفي هذا الاختبار، اختار كثير من النجوم المغاربة أن يكونوا في صف الضحايا…
