- عماد العتابي
في التاسع من مايو 1945 لم ينتهِ فصل عسكري من الحرب العالمية الثانية فحسب، بل انهار مشروع تاريخي كامل قام على فكرة إخضاع العالم بالقوة، وعلى عقيدة التفوق العرقي والإبادة المنظمة والاستعمار الدموي. ففي ذلك اليوم أعلنت ألمانيا النازية استسلامها غير المشروط أمام الاتحاد السوفياتي والحلفاء، بعد حرب تحولت إلى أكبر مأساة عرفتها البشرية الحديثة من حيث عدد الضحايا وحجم الدمار واتساع الخراب الإنساني والأخلاقي. غير أن الجبهة التي حسمت الحرب فعليا، والتي دفعت الثمن الأعظم في الأرواح والموارد، كانت بلا شك الجبهة الشرقية حيث خاض الاتحاد السوفياتي «الحرب الوطنية العظمى».
لقد دخلت القوات النازية أراضي الاتحاد السوفياتي سنة 1941 ضمن عملية «بارباروسا» التي لم تكن مجرد حملة عسكرية تقليدية، بل مشروع إبادة شامل استهدف شعوباً كاملة. كان الهدف المعلن للنازية هو تحطيم الدولة السوفياتية، والسيطرة على موارد الشرق، وإخضاع أو إزالة الشعوب السلافية التي اعتبرتها العقيدة النازية «أعراقا دنيا». ولذلك تحولت الحرب في الشرق إلى معركة وجود حقيقية، لا تحتمل التسويات ولا أنصاف الحلول. ومنذ الأيام الأولى للغزو، تكشفت وحشية المشروع النازي عبر المجازر الجماعية، وحصار المدن، وسياسات التجويع، ومعسكرات الموت، والإبادة الممنهجة لليهود والشيوعيين والغجر وكل من اعتُبر عدواً للفكر النازي.
ورغم التفوق العسكري الألماني الهائل في البداية، فإن الاتحاد السوفياتي استطاع، عبر تعبئة شعبية وصناعية وعسكرية استثنائية، أن يعيد تشكيل موازين الحرب. لقد كانت معارك مثل معركة ستالينغراد ومعركة كورسك نقاط تحول مفصلية في تاريخ البشرية، ليس فقط لأنها أوقفت الزحف النازي، بل لأنها حطمت أسطورة الجيش الألماني الذي لا يُهزم. ففي ستالينغراد تحديدا بلغ الصراع ذروته الرمزية والإنسانية؛ حيث سقط ملايين القتلى وبدأت النازية تفقد زمام المبادرة، ومن هناك بدأ الطريق الطويل نحو برلين.
وعندما دخل الجيش الأحمر العاصمة الألمانية سنة 1945، لم يكن يحمل معه انتصار دولة فقط، بل انتصار ملايين العمال والفلاحين والجنود الذين دافعوا عن وجودهم وكرامتهم في مواجهة مشروع أراد محوهم من التاريخ. حيث تشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن الاتحاد السوفياتي تكبد الخسائر البشرية الأكبر في الحرب، إذ فقد ما يزيد عن سبعة وعشرين مليون إنسان بين مدني وعسكري، وأدت لتسوية مدن كاملة بالأرض، واختفاء قرى من الخرائط، وإبادة أجيال كاملة أو شوهت نفسيا واجتماعيا. لهذا لم يكن التاسع من مايو بالنسبة للسوفيات مجرد عيد نصر، بل ذكرى للتضحية الجماعية وللثمن الهائل الذي دُفع كي لا يعيش العالم تحت حكم النازية.
غير أن أهمية هذه الذكرى لا تتعلق بالماضي وحده، بل بالحاضر أيضا. فالحرب العالمية الثانية لم تكن حادثا معزولا عن السياق الاقتصادي والسياسي للعالم آنذاك، بل كانت نتيجة مباشرة لأزمات عميقة عاشتها أوروبا الرأسمالية بعد الحرب العالمية الأولى، خصوصا مع الانهيار الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات. في تلك الظروف، صعدت الحركات الفاشية باعتبارها ردا عنيفا على الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، مستندة إلى القومية المتطرفة والعنصرية وتحالفات مع قطاعات واسعة من رأس المال الصناعي والمالي التي رأت في الفاشية وسيلة لحماية مصالحها ومنع صعود الحركات العمالية والاشتراكية.
ومن هنا فإن الفاشية لم تكن مجرد انحراف سياسي طارئ، بل تعبيرا عن أزمة حضارية عميقة داخل النظام الرأسمالي الأوروبي نفسه. لقد قدّمت نفسها كحلّ يقوم على القوة العسكرية، وعبادة الدولة وسحق الحريات، وتحويل الإنسان إلى أداة داخل آلة قومية عنيفة. ولهذا يرى كثير من المفكرين والمؤرخين أن العلاقة بين الرأسمالية المتوحشة والفاشية ليست علاقة عرضية أو منفصلة تماما، بل علاقة تظهر كلما دخل النظام العالمي في مرحلة اختناق تاريخي حاد، وعجزت النخب التقليدية عن إدارة تناقضاته بالوسائل الديمقراطية المعتادة.
اليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانين عاما على سقوط النازية، يبدو العالم وكأنه يعود تدريجيا إلى مناخات مشابهة، وإن بأشكال مختلفة وأكثر تعقيداً.
فخطابات الكراهية والعنصرية عادت بقوة في العديد من الدول، والشعبوية اليمينية تتوسع، والعنف العسكري أصبح أداة عادية في العلاقات الدولية، فيما تتزايد الفوارق الطبقية بصورة غير مسبوقة. وفي كثير من المجتمعات الغربية نفسها، التي قدّمت ذاتها لعقود باعتبارها مركز الديمقراطية الليبرالية، نشهد صعود تيارات قومية متطرفة تستهدف المهاجرين والأقليات وتعيد إنتاج مفاهيم التفوق العرقي والثقافي بصورة جديدة.
الفاشية الحديثة قد لا ترتدي القمصان السوداء نفسها، وقد لا تستخدم اللغة ذاتها التي استخدمها ختلر وموسوليني، لكنها تظهر عبر تمجيد القوة، وتبرير الحروب، وتحويل الخوف إلى أداة سياسية وتجريد الإنسان من إنسانيته باسم الأمن أو الهوية أو السوق. كما أن النظام العالمي الحالي، القائم على هيمنة اقتصادية وإعلامية هائلة، يسهم أحيانا في إعادة إنتاج الظروف النفسية والاجتماعية التي تسمح بنمو هذه النزعات.
ولهذا فإن ذكرى التاسع من مايو تظل مزعجة لكثير من القوى السياسية والإيديولوجية المعاصرة، لأنها تذكّر بحقيقة تاريخية يصعب الالتفاف عليها، هي أن الشعوب قادرة على إسقاط أكثر المشاريع وحشية عندما تمتلك الإرادة والتنظيم والاستعداد للتضحية. كما تذكّر بأن الفاشية لم تُهزم بالخطابات الأخلاقية وحدها، بل بالمقاومة الشعبية وبالتضحيات الإنسانية الهائلة التي دفعتها شعوب الاتحاد السوفياتي وشعوب العالم.
إن استحضار هذه الذكرى اليوم ليس دعوة للحنين إلى الماضي، ولا محاولة لتقديس تجربة سياسية بعينها، بل هو دفاع عن الذاكرة التاريخية في زمن تُعاد فيه كتابة التاريخ وفق مصالح القوى المهيمنة. فحين تُنسى تضحيات الملايين ويختزل سقوط النازية في سرديات انتقائية، يصبح الطريق ممهدا لعودة الكارثة بأسماء جديدة وشعارات جديدة.
لهذا يبقى التاسع من مايو أكثر من مجرد تاريخ. إنه تذكير دائم بأن البشرية دفعت ثمنا هائلا كي تنتصر على الفاشية ذات يوم، وأن هذا الانتصار ليس نهائيا أو مضمونا إلى الأبد. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيا، لكنه يعيد إنتاج شروطه عندما تنسى الشعوب دروسه الكبرى.
