تقرير – باريس
تشهد فرنسا منذ 21 سبتمبر 2026 موجة احتجاجات طلابية متصاعدة، بدأت من مدارس ثانوية في منطقة باريس قبل أن تنتشر إلى مدن ومناطق مختلفة من البلاد. ومع اتساع الحركة، انتقلت القضية من احتجاجات محلية على أوضاع المدارس إلى تحرك شبابي واسع يضع أزمة التعليم وظروف الطلبة في صلب النقاش العام.
مطالب تتجاوز الاحتجاج إلى الحق في التعليم
يحتج الطلبة على أوضاع يرون أنها تؤثر بصورة مباشرة في حقهم في الحصول على تعليم جيد. ومن أبرز المطالب المطروحة توفير عدد كافٍ من المدرسين، تخفيف اكتظاظ الفصول، تحسين حالة المباني والمنشآت التعليمية، وتقليص أعباء الدراسة التي يصفها المشاركون بأنها لا تتناسب مع الإمكانات المتاحة داخل المدارس. كما برزت مخاوف مرتبطة بمستقبل الطلبة وفرصهم في التعليم العالي.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في المناطق الفقيرة وضواحي المدن الكبرى، حيث يقول طلبة ومؤيدون للحركة إن المدارس في الأحياء الأقل حظًا تعاني بصورة أشد من نقص الموارد والاكتظاظ وتدهور البنية التحتية.
من المدارس إلى الجامعات
لم تعد الحركة مقتصرة على طلاب المدارس الثانوية. فقد أعلنت منظمات طلابية جامعية مشاركتها في التحرك، فيما شهدت جامعات عدة تجمعات وعمليات إغلاق رمزية أو تعطيل للدراسة تضامنًا مع طلاب المدارس. ووفق تقرير «لوموند»، كان طلاب في نحو 30 جامعة قد شاركوا في التعبئة بحلول الأول من أكتوبر، مع تسجيل عمليات إغلاق في عدد من الجامعات.
هذا الامتداد يعكس أن قضية التعليم لا تُنظر إليها من جانب المحتجين باعتبارها مشكلة تخص مرحلة دراسية واحدة، بل باعتبارها قضية تمس مستقبل جيل كامل.
طلبة يطالبون بمدارس أفضل لا بمواجهة الشرطة
من الخطأ اختزال آلاف الطلبة المحتجين في صور الاشتباكات التي تظهر في بعض الأماكن. فالمطالب التي دفعت الحركة إلى الشارع كانت حاضرة قبل تصاعد التوتر الأمني.
وقد أعلنت المنظمات الطلابية بعد اجتماعها مع وزير التعليم في 2 أكتوبر أنها لم تحصل على إجراءات ملموسة كافية، ودعت إلى استمرار التعبئة. وهذا يؤكد أن القضية الأساسية بالنسبة إلى الحركة الطلابية لم تنتهِ، وأن جوهر الاحتجاج لا يزال مرتبطًا بمستقبل التعليم وظروف الطلبة.
إن هؤلاء الشباب لا يطلبون امتيازات خاصة؛ إنهم يطالبون بأن يجدوا في مدارسهم أساتذة، وأقساما قادرة على استيعابهم، ومباني صالحة للتعلم، ومستقبلا تعليميا أكثر عدلا.
القوة الأمنية تتحول إلى جزء من الأزمة
مع اتساع الاحتجاجات، تصاعد حضور الشرطة وقوات حفظ النظام حول المؤسسات التعليمية. وتحدثت منظمة العفو الدولية عن استخدام الغاز المسيل للدموع وإطلاق قنابل وعمليات توقيف، محذرة تحديدًا من التعامل القاسي مع قاصرين.
وتزداد خطورة المشهد عندما يتعلق الأمر بطلاب في سن المراهقة. فقد أوردت تقارير صحفية حالات إصابة خطيرة بين طلاب، بينها إصابات في العين، كما أعلنت وزارة التعليم أرقامًا كبيرة للجرحى منذ بداية الحركة. وفي الوقت نفسه، انتقدت نقابة القضاة الفرنسية أساليب حفظ النظام، معتبرة أن بعض الوسائل المستخدمة لا تتناسب مع حركة يشارك فيها عدد كبير من القاصرين.
بالنسبة إلى الطلبة، فإن رؤية الغاز والشرطة وأدوات تفريق الحشود أمام أبواب المدارس لا تعالج مشكلة نقص المدرسين، ولا تصلح المباني المتدهورة، ولا تخفف اكتظاظ الأقسام. بل يمكن أن تزيد شعور الشباب بأن صوتهم لا يُسمع إلا عندما يتحول إلى أزمة أمنية.
المنتخبون ينزلون إلى الميدان
ومن أكثر المشاهد دلالة في هذه الاحتجاجات ظهور منتخبين وبرلمانيين إلى جانب الطلبة، ليس فقط للتعبير السياسي عن تأييد مطالبهم، وإنما في بعض الحالات لمحاولة التهدئة والفصل بين الشباب وقوات الشرطة.
وفي أورليان، أفادت تقارير بأن المستشار البلدي الشيوعي جوناثان برونو حاول التدخل والوقوف بين الشرطة وطلاب محتجين، قبل أن يتعرض للدفع والضرب من أحد عناصر الشرطة. وأثارت الواقعة ردود فعل سياسية، مع إعلان الحزب الشيوعي عزمه إحالة الأمر إلى هيئة التفتيش العام للشرطة الوطنية.
وقد ظهرت في مناطق أخرى أيضا محاولات من بالغين وأولياء أمور للتدخل لحماية الطلاب. ففي سيفران، تحدثت تقارير عن قيام مدرسين وأولياء أمور بدعم المراهقين ومحاولة احتواء التوتر، بل تحدثت إحدى الأمهات عن تشكيل “سلسلة بشرية” من البالغين إذا خرج الوضع عن السيطرة.
عندما يصبح المنتخبون شهودا على الشارع
وجود البرلمانيين وأعضاء المجالس المنتخبة إلى جانب الطلبة يطرح قضية تتجاوز الخلاف السياسي المباشر. فالمنتخب، عندما يقف في الشارع، لا يمثل نفسه فقط؛ بل يمثل جزءا من المؤسسات الديمقراطية التي يفترض أن تكون قادرة على الاستماع إلى المواطنين، وخصوصا الشباب.
ومن هذه الزاوية، فإن وجود منتخبين بين الشرطة والطلبة يمكن أن يؤدي وظيفة مهمة وهي منع الاحتكاك وحماية القاصرين من عنف الشرطة ومنع تحول الاحتجاج إلى مواجهة مفتوحة.
وفي الوقت الذي ركزت فيه الحكومة على الجانب الأمني، دعا عدد من الأصوات السياسية والنقابية إلى التهدئة والحوار. كما انتقدت نقابة القضاة أساليب التعامل مع الاحتجاجات، معتبرة أن التعامل مع حركة تضم عددا كبيرا من القاصرين يتطلب مقاربة مختلفة.
لا ينبغي أن يُدفن صوت الطلبة تحت دخان الغاز
أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تختفي المطالب التي دفعت الطلاب إلى الشارع خلف صور المواجهات. فالحديث عن الاحتجاجات يجب ألا يبدأ وينتهي عند الشرطة والاعتقالات. يجب أن يبدأ من المدرسة نفسها؛ من الطالب الذي يدخل قسما مكتظا، ومن الأستاذ الغائب الذي لا يجد من يعوضه، ومن المؤسسة التي تحتاج إلى إصلاح، ومن الشاب الذي ينظر إلى مستقبله الجامعي بقلق.
أما التصعيد الأمني، فقد أصبح قضية ثانية لا تقل أهمية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقاصرين. والوقائع التي يجري التحقيق فيها بشأن الإصابات واستخدام القوة تستحق تحقيقا مستقلا وشفافا، بدل أن تتحول إلى مجرد أرقام في نشرات الأمن.
رسالة الطلبة: اسمعونا قبل أن تحاصرونا
إن الاحتجاج الطلابي ليس مجرد اضطراب في الشارع؛ إنه أيضا رسالة سياسية واجتماعية من جيل يريد أن يقول إن مستقبله لا يمكن أن يُقرر من دونه.
والرد الأكثر فائدة على هذه الرسالة ليس المزيد من الحواجز الأمنية، بل فتح حوار حقيقي مع ممثلي الطلبة، والاستجابة للمطالب القابلة للتنفيذ، وضمان حق الشباب في الاحتجاج السلمي، وحماية القاصرين من أي استخدام غير متناسب للقوة.
كما أن دور المنتخبين الذين ينزلون إلى الميدان لتهدئة الموقف وحماية الطلبة يستحق أن يُنظر إليه باعتباره جزءا من وظيفة المؤسسات الديمقراطية.
لقد نزل الطلبة إلى الشوارع لأنهم يريدون تعليما أفضل ومستقبلا أكثر وضوحا. ومن حقهم أن يُسمع صوتهم.
