تقرير – مدريد
لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مجرد ملف اقتصادي أو مشكلة تواجه الشباب والمستأجرين في المدن الكبرى؛ فقد تحولت إلى قضية اجتماعية وسياسية واسعة دفعت عشرات الآلاف إلى الشوارع، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج المرتبطة بالسكن في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وشهدت مدريد، اليوم السبت، مسيرة ضخمة شارك فيها نحو 70 ألف شخص وفق تقديرات السلطات، بينما رفع اتحاد المستأجرين، الجهة المنظمة للتحرك، تقديرا يقارب 500 ألف مشارك. وبين الرقمين تتسع فجوة التقدير، لكن حجم التعبئة كان واضحا، بمظاهرات امتدت إلى نحو 50 مدينة إسبانية، وهتافات تطالب بالسكن الميسور وحماية المستأجرين، فيما برز شعار يدعو إلى الانتقال نحو “إضراب عام”.

وجاءت الاحتجاجات بعد يوم واحد فقط من رفض البرلمان الإسباني مرسومين حكوميين كانا يستهدفان تخفيف الضغوط عن المستأجرين وتشديد الحماية على الفئات المعرضة لخطر الإخلاء. ووفق مجلس النواب الإسباني، كان أحد المرسومين يتضمن تعليقا مؤقتا لعمليات إخلاء أشخاص في وضع هش من دون بديل سكني، وتعزيز حماية المستأجرين، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالعرض السكني؛ بينما ركز المرسوم الآخر على تعزيز استقرار عقود الإيجار السكنية.
من أزمة معيشية إلى غضب في الشارع
كان التصويت البرلماني بمثابة الشرارة السياسية المباشرة للمظاهرات، لكنه لم يكن أصل الأزمة. فأسعار المساكن في إسبانيا تواصل الارتفاع بوتيرة كبيرة. ووفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء، ارتفع مؤشر أسعار المساكن بنسبة 12.2% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، فيما ارتفعت أسعار المساكن المستعملة بنسبة 12.9%.
أما سوق الإيجارات، فيقدم صورة لا تقل ضغطا، فقد سجل متوسط سعر الإيجار المعروض في غشت ارتفاعا سنويا بنسبة 5.8% ليصل إلى 15.1 يورو للمتر المربع، بحسب بيانات منصة Idealista. وفي يوليو كان الارتفاع السنوي قد بلغ 6.8%، عند مستوى 15.3 يورو للمتر المربع وهو مستوى قياسي في بيانات المنصة.

وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار؛ ففي عام 2025 قال 67.2% ممن بحثوا عن مسكن ولم يتمكنوا من الانتقال إن السعر المرتفع كان السبب الرئيسي، كما أن 44.3% من الشباب بين 26 و34 عاما كانوا يعيشون مع والديهم، وأفاد 47.3% منهم بأن عدم القدرة على تحمل تكلفة شراء أو استئجار مسكن كان السبب الرئيسي.
وهكذا أصبح السؤال بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الإسبان لا يتعلق فقط بامتلاك منزل، وإنما بالقدرة على البقاء في المدينة نفسها واستمرار دفع الإيجار.
قصة امرأة في السابعة والثمانين تختصر الأزمة
وسط هذه الأرقام، اكتسبت قضية ماريكارمن أباسكال بعدا رمزيا بالغ القوة. فالمرأة البالغة 87 عام عاشت في شقتها بمدريد قرابة سبعة عقود، قبل أن يستحوذ صندوق استثماري على العقار ويُرفع إيجارها من نحو 500 يورو إلى 1650 يورو، وفق تقارير إعلامية. وعندما عجزت عن تحمل الزيادة، أُخرجت من المنزل في سبتمبر.
تحولت الواقعة سريعا إلى رمز للاحتجاجات، خصوصا أن القضية لم تعد تُقدَّم في الشارع بوصفها نزاعا فرديا بين مالك ومستأجر، وإنما مثالا على ما يعتبره المحتجون اختلالا أكبر في سوق السكن.

وبعد تصاعد الغضب، تم التوصل إلى اتفاق يسمح لأباسكال بالعودة إلى منزلها مقابل إيجار منخفض، لكن قصتها كانت قد تحولت بالفعل إلى قضية عامة.
ومنذ ذلك الحين، أقام ناشطون ومستأجرون اعتصاما في ساحة بويرتا ديل سول وسط مدريد لأكثر من أسبوع، مطالبين بحماية أكبر للمستأجرين وبإجراءات تمنع عمليات الإخلاء التي لا توفر بديلا سكنيا مناسبا.
البرلمان يرفض.. والشارع يرد
في البرلمان، لم تمر الإجراءات الحكومية. فمجلس النواب كان قد طرح للتصويت مرسومين طارئين يتعلقان بحماية الوظيفة الاجتماعية للسكن وزيادة العرض السكني الميسور، واستقرار عقود الإيجار. وكان من بين الإجراءات المطروحة حماية مؤقتة للفئات الهشة من الإخلاء، وتشديد بعض الضوابط على كبار مالكي العقارات، إضافة إلى إجراءات مالية وسكنية أخرى.
لكن المرسومين سقطا في التصويت، وسط معارضة من أحزاب اليمين من بينها الحزب الشعبي وVox وJunts. وبذلك وجد رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. تتمثل أزمة سكن تتسع في الشارع، وحكومة أقلية تواجه صعوبة في تمرير إجراءاتها داخل البرلمان.
وتقول الأحزاب المعارضة إن بعض الإجراءات الحكومية قد تؤثر سلبا في سوق الإسكان والعرض، بينما ترى حركة المستأجرين أن الإجراءات الحالية لا تكفي لحماية الأسر من الارتفاعات والإخلاءات.
أزمة العرض.. المشكلة التي لا تحلها القوانين وحدها
الضغط على سوق السكن الإسباني يرتبط أيضا باختلال جغرافي بين الطلب والعرض. وفي دراسة لبنك إسبانيا، أشار المصرف إلى أن نمو الأسر والسكان تركز بدرجة كبيرة في المناطق الحضرية الرئيسية والمناطق السياحية، الأمر الذي أدى إلى اختلالات كبيرة في إنتاج المساكن الجديدة، خصوصا في المناطق التي يرتفع فيها الطلب. كما أشار إلى أن مدريد وبرشلونة تمثلان حصة كبيرة من العجز التراكمي في إنتاج المساكن الجديدة خلال الفترة التي تناولتها الدراسة.
وهذا يفسر جانبا من المفارقة الإسبانية، فوجود مساكن غير مباعة أو غير مستخدمة في مناطق معينة لا يعني بالضرورة وجود مساكن متاحة للأسر التي تحتاج إليها في مدريد أو برشلونة أو غيرهما من مراكز العمل والنشاط الاقتصادي.
كما تشير بيانات سوق الإيجار إلى تراجع المعروض واشتداد المنافسة بين الباحثين عن مساكن؛ إذ قدرت دراسة لـIdealista أن المعروض من الإيجارات كان في مايو 2026 أقل بنحو 30% مقارنة بعام 2023، في حين ارتفعت الأسعار بنحو 30.7% خلال الفترة نفسها. وهذه أرقام مصدرها منصة عقارية وليست إحصاء حكوميا، لكنها تعكس الاتجاه الذي يواجهه الباحثون عن السكن في السوق.
من أزمة السكن إلى أزمة سياسية
ما يجعل احتجاجات اليوم أكثر أهمية من مجرد مظاهرات مطلبية هو أنها تأتي في نقطة التقاء ثلاثة مسارات:
أولا: ارتفاع تكلفة السكن بوتيرة تفوق قدرة قطاعات من الأسر والشباب على تحملها.
ثانيا: اتساع الاحتجاج الاجتماعي، وتحول قضية المستأجرين إلى حركة منظمة تطالب بتغييرات تشريعية واسعة.
ثالثا: تعثر الحكومة في البرلمان، ما جعل قضية السكن مرتبطة مباشرة بقدرة حكومة سانشيز على تمرير سياساتها.
وفي مدريد، لم يكن شعار “الإضراب العام” مجرد هتاف عابر؛ فقد أعلن اتحاد المستأجرين أن الخطوة التالية يمكن أن تكون تعبئة أوسع بالتنسيق مع النقابات العمالية، من دون تحديد موعد للإضراب حتى الآن.
وفي فالنسيا، اتخذت الاحتجاجات منحى أكثر توترا، إذ وقعت مواجهات بين الشرطة وبعض المتظاهرين، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، بحسب تقارير رويترز ووسائل إعلام أخرى. أما في مدن أخرى، فظلت الاحتجاجات سلمية، بينما أُلغيت بعض التحركات بسبب الأحوال الجوية.
ماذا بعد؟
أزمة السكن الإسبانية دخلت الآن مرحلة جديدة. فالمشكلة التي بدأت بالنسبة لكثيرين بارتفاع الإيجار أصبحت قضية تتقاطع فيها الأسعار، ونقص المعروض، وحماية المستأجرين والاستثمار العقاري، والإخلاءات، والسياسة البرلمانية.
ولا يبدو أن إسقاط المرسومين الحكوميين أنهى النقاش؛ بل دفعه من داخل البرلمان إلى الشارع.
وبينما تطالب حركة المستأجرين بإجراءات أكثر صرامة، تواجه الحكومة وحلفاؤها معضلة أصعب؛ فكيف يمكن زيادة المعروض من المساكن بأسعار يمكن تحملها، مع حماية المستأجرين الحاليين، من دون خلق آثار جانبية على سوق البناء والاستثمار؟
فالاحتجاجات التي ملأت شوارع مدريد اليوم لا تتعلق فقط بشقة ماريكارمن أباسكال، ولا فقط بإيجار ارتفع مئات اليوروهات، وإنما تعكس تحول السكن في إسبانيا إلى أحد أكثر الملفات تأثيرا في الحياة اليومية وفي المشهد السياسي للبلاد.
ومع استمرار ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات، يبقى السؤال الذي خرج به آلاف المتظاهرين إلى الشوارع واضحا؛ هل سيظل السكن سلعة يحدد سعرها السوق وحده، أم سيصبح الحصول على مسكن ميسور أولوية اجتماعية تتطلب تدخلا أوسع من الدولة؟
الإجابة لن تحدد فقط مستقبل سوق العقارات، بل قد ترسم أيضا ملامح المرحلة السياسية المقبلة في إسبانيا.
