- عماد العتابي
منذ متى أصبحت التهنئة الإسرائيلية شرفا سياسيا يستحق الصمت، بينما يصبح دعم صحافي إسرائيلي الهوى تهمة تستوجب التنصل؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على فاطمة الزهراء المنصوري، وعلى كل من يريد أن يقنع المغاربة بأن ما يجري أمام أعينهم ليس سوى تفاصيل بروتوكولية لا تستحق الوقوف عندها.
أنا لا أؤمن بهذا التفسير. وأرفض من الأساس أن تصبح العلاقة مع “إسرائيل” أمرا عاديا في المغرب، أو أن يُطلب منا أن نتعامل مع التطبيع باعتباره قدرا سياسيا لا خيار فيه.
“إسرائيل” ليست بالنسبة إليّ دولة “صديقة” ولا أرى في تطبيع العلاقات معها إنجازا دبلوماسيا ينبغي الاحتفاء به. إنها دولة احتلال وما فعلته وما تفعله في فلسطين ولبنان واليمن وإيران لا يمكن أن تمحوه بيانات العلاقات الدولية ولا قاموس الدبلوماسية الناعم.
ولهذا تحديدا، لا أرى في تهنئة رئيس “إسرائيل” لفاطمة الزهراء المنصوري مجرد برقية بروتوكولية.
أنا أراها تهنئة إسرائيلية، ومن حقي أن أرفضها، ومن حقي أن أتساءل لماذا لم تستدعِ من صاحبتها الموقف نفسه الذي استدعاه مجرد إعلان أحمد الشرعي دعمه لها.
أحمد الشرعي قال إنه يدعم المنصوري وحزب الأصالة والمعاصرة. الرجل ليس مجهولا في هذا الملف، وهو صاحب العبارة التي اختصر بها موقفه من “إسرائيل” في عنوان صادم “كلنا إسرائيليون”.
ثم أعلن دعمه للمنصوري، فماذا فعلت الأخيرة؟ لم تقل فقط إن الرجل لا يمثلها، بل سارعت إلى النأي بنفسها عنه، مؤكدة أنها لا تعرفه ولم تلتق به ولم تتحدث إليه، وأنها لا تتبنى مواقفه.
حسنا، من حقها أن تقول ذلك. لكن السؤال الذي لا أستطيع تجاوزه هو لماذا كان دعم الشرعي لها بحاجة إلى كل هذا التنصل، بينما لم نسمع الموقف نفسه عندما جاء الدعم، أو بالأحرى التهنئة، من “إسرائيل” نفسها في شخص رئيسها؟
لماذا يصبح القرب من رجل يحمل خطابا تطبيعيا عبئا ينبغي التخلص منه، بينما يصبح القرب الرسمي من كيان “إسرائيل” أمرا يمكن المرور عليه بالصمت؟
أين هو المعيار؟ وأين هي الجرأة السياسية؟
أنا ضد التطبيع، أقولها بلا مواربة ولا أحتاج إلى تخفيفها بمفردات من قبيل «التوازن» و«الواقعية» و«البراغماتية». وضد أن يصبح الاحتلال شريكا طبيعيا٣ في بلادنا. وضد أن تُفتح الأبواب أمام رموزه، وضد أن تتحول العلاقة معه إلى ورقة في إعادة تشكيل المشهد السياسي والإعلامي المغربي.
لا أقول إن “إسرائيل” هي التي جاءت بالمنصوري إلى رئاسة الحكومة، ولا أملك دليلا يسمح لي بالقول إن الحكومة المغربية تُدار من تل أبيب.
لكنني لا أحتاج إلى امتلاك هذا الدليل حتى أرفض التطبيع، ولا أحتاج إلى إثبات وجود “إسرائيل في المغرب” حتى أقول إنني لا أريد لإسرائيل أن تصبح طرفا طبيعيا في الحياة السياسية المغربية.
بل إنني أرى أن مجرد وصولنا إلى مرحلة يصبح فيها السؤال عن حدود النفوذ الإسرائيلي داخل المغرب سؤالا مشروعا، هو نتيجة من نتائج التطبيع نفسه.
فالتطبيع لا يتوقف عند فتح السفارات فقط، بل يبدأ حين تتغير اللغة وحين يصبح الإسرائيلي “شريكا” وحين يصبح التطبيع “تعاونا”. وحين تصبح التهنئة من رئيس “إسرائيل” خبرا دبلوماسيا عاديا. وحين يصبح الاعتراض على ذلك هو الشيء الذي يحتاج إلى تبرير.
لقد كان المغرب لعقود، واحدا من المجتمعات والشعوب التي ظل فيها التعاطف مع فلسطين والنضال من أجلها جزءا عميقا من الوجدان الشعبي.
اليوم يريد البعض أن يقنعنا بأن كل ذلك يمكن وضعه جانبا لأن هناك “مصالح” و”حسابات” و”تحولات جيوسياسية”. لكنني لا أرى السياسة بهذه الطريقة. الدول لها مصالحها، نعم. لكن الشعوب لها ذاكرتها أيضا. و”إسرائيل” ليست كيان عادي، هي احتلال واستيطان وقتل وتهجير، وهناك شعب فلسطيني ولبناني يعيش تحت هذا الواقع منذ عقود.
وعندما أتذكر أن المنصوري سارعت إلى التنصل من أحمد الشرعي بعدما أعلن دعمه لها، فإن المفارقة تصبح أكثر وضوحا.
تنصلت من الشرعي لأن عبارة ” كلنا إسرائيليون” تلاحقه سياسيا وإعلاميا، فلماذا لم تتنصلي من “إسرائيل” نفسها؟
السؤال ليس اتهاما هنا، السؤال موقف؛ وأنا موقفي واضح؛ لا أريد إسرائيل في المغرب. لا أريدها في سياستنا ولا في إعلامنا.ولا في نخبنا. ولا في جامعاتنا، ولا في اقتصادنا ولا في زراعتنا ومياهنا.
ولا أريد أن تصبح تهنئة رئيس “إسرائيلي” لمسؤول مغربي خبرا عاديا يمر كما تمر برقية من أي عاصمة أخرى. قد يقول قائل إن هذا هو “الواقعية السياسية”.
وأنا أقول له؛ الواقعية التي تطلب مني أن أعتاد الاحتلال ليست واقعية. إنها عملية تطبيع للوعي قبل أن تكون تطبيعا للعلاقات.
لقد أصبح في زمن التطبيع كل من يرفض الاحتلال بحاجة إلى أن يشرح نفسه. وأنا لا أحتاج إلى شرح رفضي لإسرائيل؛ الذي يحتاج إلى الشرح هو المطبع.
