مدريد – إسبانيا
لم تكن إدانة وزير النقل الإسباني السابق خوسي لويس أبالوس بالسجن 24 عاماً في قضية فساد مرتبطة بعقود الكمامات خلال جائحة كورونا مجرد حكم قضائي بحق مسؤول سابق، بل مثلت ضربة سياسية مباشرة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي ارتبط اسمه بصعود أبالوس وتحوله إلى أحد أبرز أركان الحزب الاشتراكي الحاكم لسنوات.
وتكمن حساسية القضية في أن أبالوس لم يكن وزيرا عاديا داخل الحكومة، بل كان أحد المهندسين الرئيسيين لوصول سانشيز إلى قيادة الحزب الاشتراكي ثم إلى رئاسة الحكومة. لذلك ينظر خصوم سانشيز إلى الحكم باعتباره دليلا على وجود شبكة نفوذ وفساد داخل الدائرة السياسية التي أحاطت برئيس الوزراء خلال السنوات الماضية.
من قضية فساد إلى أزمة حكم
بحسب المحكمة العليا الإسبانية، أدين أبالوس بجرائم تشمل الرشوة واختلاس الأموال العامة واستغلال النفوذ والانتماء إلى تنظيم إجرامي، وذلك على خلفية منح عقود توريد كمامات طبية خلال فترة الجائحة مقابل عمولات ومنافع شخصية. كما شملت الإدانة مستشاره السابق كولدو غارسيا ورجل الأعمال فيكتور دي ألداما.
ورغم أن التحقيقات لم توجه أي اتهام مباشر إلى سانشيز نفسه، فإن المعارضة المحافظة واليمينية تعتبر أن القضية تتجاوز المسؤولية الفردية لأبالوس، وتكشف عن نمط من الممارسات التي ازدهرت داخل الحزب الاشتراكي أثناء وجود شخصيات مقربة من رئيس الوزراء في مواقع القرار. ولهذا تصاعدت المطالب بإجراء انتخابات مبكرة وتحميل سانشيز مسؤولية سياسية عن الفضيحة.
لماذا يربط أنصار سانشيز القضية باستهداف سياسي؟
في المقابل، يرى أنصار رئيس الوزراء أن المشهد لا يمكن فصله عن حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها إسبانيا. ويشيرون إلى أن عددا من الملفات القضائية المفتوحة ضد شخصيات من محيط سانشيز، بما في ذلك زوجته وشقيقه، أصبحت تُستخدم من قبل اليمين الإسباني لإضعاف الحكومة وإرباكها سياسيا. كما يلفتون إلى أن بعض الشكاوى التي أطلقت هذه القضايا جاءت من جهات ومنظمات قريبة من اليمين المحافظ.
فلسطين والهجرة.. هل يدفع سانشيز ثمن مواقفه؟
يتزامن تصاعد الضغوط على رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مع دوره المتنامي كأحد أبرز الأصوات الأوروبية الداعمة لفلسطين والمنتقدة للحرب “الإسرائيلية” في غزة، فضلا عن تبنيه مقاربة أكثر انفتاحا تجاه قضايا الهجرة مقارنة بالتيارات اليمينية الصاعدة في أوروبا. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الضربات المتلاحقة التي تستهدف شخصيات من دائرته السياسية لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي الذي يحيط بحكومته، ولا عن حالة الاستقطاب الحادة التي أثارتها مواقفه داخليا وخارجيا.
ومن هذا المنظور، تبدو قضية خوسيه لويس أبالوس أكثر من مجرد محاكمة لمسؤول سابق، إذ تحولت إلى أداة سياسية تضرب أحد أقرب الحلفاء التاريخيين لسانشيز، وتمنح خصومه فرصة لتوسيع دائرة الضغط عليه وعلى مشروعه السياسي. فاستهداف رجل لعب دورا محوريا في صعود رئيس الوزراء إلى السلطة ينعكس بصورة مباشرة على صورة الحكومة ويغذي حملات التشكيك بقدرتها ومصداقيتها.
وبذلك، تتحول القضية إلى محطة مفصلية في معركة تتجاوز شخص أبالوس نفسه، لتطال سانشيز وموقعه السياسي في الداخل الإسباني وأوروبا. فبالنسبة إلى خصومه، تمثل القضية فرصة لإضعاف زعيم بات يشكل استثناءً داخل المشهد الأوروبي بمواقفه من فلسطين والهجرة، فيما يراها أنصاره جزءا من حملة أوسع لمحاصرة حكومته وتقويض نفوذها السياسي.
وفي المحصلة، لا تبدو تداعيات الحكم على أبالوس مقتصرة على وزير سابق أو حزب حاكم، بل تمتد إلى مستقبل سانشيز نفسه، الذي يجد نفسه في مواجهة ضغوط متزايدة تستهدف الدائرة الأقرب إليه، في معركة سياسية تبدو مرشحة لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.
