- عبد الغني عبابو/ هولندا
السبت الماضي، مُنع المؤرخ المغربي معطي منجب من دخول المعرض الدولي للكتاب والنشر في الرباط، رغم توفره على تذكرة دخول صالحة. وصمت عدد من الكتّاب والمثقفين المغاربة الهولنديين تجاه هذا الحادث يثير الكثير من علامات الاستفهام.
لقد أصبح من الصعب اعتبار ما يحدث مجرد صدفة عابرة، إذ بات من المعتاد سنويا أن يظهر كتّاب وفنانون وصناع رأي من أصول مغربية مقيمين في هولندا، معروفون بخطابهم النقدي، كضيوف في معرض الكتاب بالرباط بدعوات ممولة من مجلس الجالية المغربية بالخارج (CCME).
هذا المجلس، الذي يُفترض رسميًا أنه هيئة استشارية تعنى بشؤون الجالية المغربية في الخارج، ويُنظر إليه منذ سنوات باعتباره امتدادا لنفوذ الدولة المغربية وأداة من أدوات التأثير السياسي للنظام المغربي.
الإشكال ليس في المشاركة بحد ذاتها، بل في التناقض الصارخ في المواقف. ففي هولندا، يقدّم هؤلاء أنفسهم كأصوات تقدمية وناقدة للسلطة والظلم المؤسساتي، لكنهم عندما يتعلق الأمر بالمغرب يصبحون أكثر تحفظًا، بل ويبدون مستعدين للجلوس على موائد التكريم التي تنظمها مؤسسة مرتبطة ارتباطا وثيقا بدوائر السلطة المحيطة بالملك محمد السادس.
وهذا يطرح تساؤلات جدية حول المصداقية والانسجام الأخلاقي. فالأمر لا يتعلق هنا بتبادل ثقافي بريء أو نشاط أدبي محايد، بل بمؤسسة لطالما كانت محل انتقاد بسبب ارتباطها بما يُعرف بـ«الذراع الطويلة للرباط في هولندا»، أي محاولات الدولة المغربية التأثير على الجاليات المغربية في أوروبا ومراقبة أصواتها الناقدة. حتى جهاز الاستخبارات الهولندي AIVD أشار صراحة في تقاريره الأخيرة إلى وجود ممارسات مرتبطة بالتأثير والترهيب من طرف الرباط.
وتزداد حساسية هذه القضية بالنظر إلى واقع حرية التعبير داخل المغرب. فهناك شبه إجماع لدى المنظمات الحقوقية الدولية مثل وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومراسلون بلا حدود، على أن المغرب يشهد تضييقا مستمرا على حرية الصحافة والرأي.
فالصحفيون والشباب من “جيل زاد” الذين يتظاهرون ضد الفساد وسوء استخدام السلطة يواجهون القمع والتضييق. كما لا يمكن تجاهل قضية ناصر الزفزافي ورفاقه من معتقلي حراك الريف، الذين أصبحوا رمزا لمعاناة الأصوات المعارضة في المغرب.
في ظل هذا الواقع، يبدو مستغربا أن يختار بعض المثقفين والإعلاميين المغاربة في هولندا الارتباط بمنصة رسمية مرتبطة بالدولة المغربية، دون أن يقدّموا أي توضيح أو موقف علني تجاه هذا التناقض.
ويزداد الأمر سوءا حين يقوم بعض هؤلاء، داخل النقاش العام في هولندا، بإنكار وجود «الذراع الطويلة» للرباط، أو مهاجمة كل من يثير هذا الموضوع. وقد كشف الكاتب “عبد القادر بنعلي” هذا التناقض بوضوح في مقاله المنشور في صحيفة “دي كانتتيكينغ”.
صحيح أن الكاتب أو المثقف ليس مطالبًا بأن يكون معصوما من الخطأ، لكن الحد الأدنى من الانسجام الأخلاقي يظل مطلوبا. فمن يقدّم نفسه كصوت مستقل وناقد، عليه أن يحافظ على هذا الموقف حتى عندما يصبح الأمر غير مريح، وحتى عندما تكون الدعوات الرسمية والمكاسب الثقافية مطروحة على الطاولة.
وبعد منع المعطي منجب من دخول معرض الكتاب السبت الماضي، رغم توفره على تذكرة رسمية، هل سيبادر هؤلاء المثقفون والكتّاب إلى إعلان تضامنهم معه؟ أم أن الصمت سيظل هو الجواب؟
