الساحل/ سوريا
تحوّلت قضية الشابة العلوية السورية “بتول علوش” إلى جرس إنذار جديد يفضح حجم المأساة الصامتة التي يعيشها أبناء الساحل السوري، ولا سيما النساء العلويات اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة واقع مرعب من الخوف والتهديد والتغييب والانتهاكات، وسط صمتٍ إقليمي ودولي يكاد يكون شراكة غير معلنة في استمرار هذه الجرائم.
ما جرى مع بتول علوش ليس حادثة فردية معزولة يمكن احتواؤها بخبر عابر أو بيان خجول أو بشطحات سلطة أمر الواقع، بل هو جزء من سياق كامل من الانتهاكات التي تطال المكوّن العلوي منذ سنوات، وتحديدا منذ انهيار الدولة السورية وتحول مناطق الساحل إلى مساحة مفتوحة للفوضى الأمنية والخطابات الطائفية المتشددة. لقد أصبح الساحل السوري، بالنسبة لكثير من سكانه، سجنا كبيرا يعيش فيه الناس تحت سلطة الخوف؛ حيث النساء بلا أمان حقيقي، والرجال تحت تهديد دائم بالتوقيف أو الاختفاء أو التصفية.
المفارقة التاريخية المؤلمة أن أحد أقدم المذاهب الإسلامية في المنطقة، والذي شكّل جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي لسوريا لقرون طويلة، يجد نفسه اليوم محاصرا بخطاب سلفي تكفيري متطرف، تُمارَس باسمه أشكال متعددة من القتل والسبي والكراهية والاقصاء، بينما يقف العالم متفرجا، وكأن الضحايا لا ينتمون إلى البشرية نفسها التي تتحرك لأجلها المؤسسات والمنظمات في أماكن أخرى من العالم.
والأكثر فداحة من الجرائم ذاتها، هو هذا الصمت الثقيل الذي يلفّها. فمع كل حادثة خطف أو تغييب أو انتهاك تتعرض له امرأة علوية، يغيب صوت المنظمات الحقوقية الكبرى، وتختفي بيانات الإدانة، وتدخل المؤسسات النسوية المدججة بالشعارات في حالة صمت بارد ومريب. المنظمات التي لا تتأخر عادة في إصدار التقارير والبيانات وتنظيم الحملات الإعلامية لأحداث تافهة أقل حجمًا في أماكن أخرى مثل إيران أو روسيا، تبدو عاجزة أو غير راغبة في رؤية ما يحدث للنساء العلويات في سوريا.
كثيرون باتوا يرون أن هذا الصمت ليس بريئا، بل مرتبط بحسابات سياسية وتمويلية تجعل مواقف تلك المنظمات مرهونة بالإرادة السياسية للجهات الداعمة والممولة لها. وكأن دماء النساء وكرامتهن أصبحت تخضع لمعايير الانتقاء السياسي، لا للمعايير الإنسانية التي تدّعي هذه المؤسسات الدفاع عنها. فحين تكون الضحية امرأة علوية في الساحل السوري، يتحول الحديث عن حقوق المرأة إلى ملف مؤجل، وتختفي الحملات النسوية الصاخبة، ويغيب الغضب الحقوقي، وكأن الجرائم تصبح أقل أهمية لأن الضحية تنتمي إلى بيئة لا تحظى بالقبول السياسي والإعلامي المطلوب.
إن الصمت عن الانتهاكات لا يقل خطورة عن ارتكابها. فالسكوت المستمر يمنح الجناة شعورا بالحصانة، ويشجع على تكرار الجرائم دون خوف من محاسبة أو فضح أو ضغط دولي. ولهذا تتكرر حوادث الخطف والتغييب والإذلال يوما بعد يوم، بينما تُترك العائلات وحيدة تواجه مصيرها، بلا حماية وبلا عدالة وبلا حتى تضامن إنساني صادق.
وفي الوقت الذي يغرق فيه العالم بخطابات حقوق الإنسان وحقوق المرأة، تبدو مأساة الساحل السوري وكأنها خارج خرائط الاهتمام الدولي. هناك سلطة أمر واقع متهمة بممارسة سياسات قمعية وطائفية ممنهجة، وسط دعم سياسي ومالي وإقليمي ودولي يمنحها قدرة أكبر على الاستمرار، فيما يعيش المدنيون حالة من العزلة والخوف وفقدان الأمل.
كما أن جزءًا من المأساة يتمثل في استغلال بعض الأصوات لهذه القضايا الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية أو إعلامية، بدل توحيد الجهود حول ملف إنساني وأخلاقي جامع يدافع عن الضحايا بعيدا عن الحسابات الضيقة. فقضية النساء المغيّبات والمختطفات ليست مادة للمزايدات، بل جرح إنساني مفتوح يحتاج إلى تضامن حقيقي وإلى ضغط فعلي لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
إن ما يحدث للنساء العلويات في سوريا يجب أن يكون قضية رأي عام إنسانية، لا قضية تخص طائفة بعينها. لأن الصمت عن الظلم حين يقع على فئة معينة، يعني فتح الباب أمام تعميم الظلم على الجميع لاحقًا. والتاريخ يثبت دائما أن المجتمعات التي تتسامح مع الانتهاكات ضد فئة محددة، سرعان ما تتحول فيها المأساة إلى واقع شامل يهدد الجميع دون استثناء.
على كل إنسان ما زال يمتلك شيئا من الضمير، وعلى كل من يؤمن فعلا بقيم العدالة وحقوق الإنسان وكرامة المرأة، أن يتحدث عمّا يحدث في الساحل السوري دون خوف أو انتقائية أو حسابات سياسية. فالقضية لم تعد مجرد خلاف سياسي أو صراع نفوذ، بل أصبحت قضية بشر يُسحقون في صمت، ونساء يُتركن لمصير مجهول، بينما العالم يواصل إدارة وجهه إلى الجهة الأخرى.
