- عماد العتابي
لم يكن غريبا أن يعود المغرب إلى اعتماد الساعة القانونية (توقيت غرينتش) في اللحظة التي تغيرت فيها معادلات الاستثمار والصناعة. الغريب هو أن الدولة الممثلة في شخص أخنوش رئيس الحكومة، التي تتحدث اليوم عن “الاستجابة لمطالب المواطنين” لم تجد ضرورة للاستماع إلى هذه المطالب طوال سنوات، حين كان المغاربة يشتكون من تبعات الساعة الإضافية وتأثيرها على حياتهم اليومية.
هل تغيرت قناعة الحكومة فجأة بأن راحة المواطن مهمة؟ أم أن ما تغير هو السياق الاقتصادي بعد تراجع اندفاع بعض الشركات الكبرى العابرة للقارات، وعلى رأسها رونو، التي شكلت لسنوات أحد أعمدة الحضور الصناعي الفرنسي في المغرب؟
لسنوات، كان المغرب يقدم نفسه كمنصة صناعية مرتبطة بأوروبا، وكانت كل الظروف تُضبط لخدمة هذا الخيار، من القوانين والبنية التحتية إلى الحوافز، وحتى منطق التوقيت الذي جعل البلاد أكثر انسجاما مع “الشركاء” الأوروبيين. كانت ساعة المغرب تتحرك وفق إيقاع الاقتصاد الخارجي قبل إيقاع حياة المواطن المغربي.
واليوم، بعدما أعلنت رونو مراجعة توجهاتها الاستثمارية ووقف بعض خطط التوسع خارج فرنسا، بما في ذلك المغرب، يظهر سؤال لم يجد جوابا واضحا؛ هل كانت الساعة الإضافية مرتبطة بمنطق جذب الاستثمار وخدمة الشركات أكثر مما كانت مرتبطة براحة الناس؟
إذا كان المواطن هو الأولوية، فلماذا احتاجت الدولة إلى كل هذه السنوات حتى تعود إلى التوقيت الرسمي؟ لماذا لم تكن معاناة الأسر والتلاميذ والموظفين سببا كافيا لاتخاذ القرار؟ ولماذا أصبح الحديث عن صحة المغاربة وراحتهم ممكنا فقط عندما تغيرت الحسابات الاقتصادية؟
المشكلة ليست في عقارب الساعة، بل في طريقة التفكير التي حكمت القرار. فعندما كانت الأولوية هي طمأنة المستثمرين وجعل المغرب أكثر توافقا مع أوروبا، كان المواطن مطالبا بالتأقلم. وعندما تغيرت الظروف، أصبح القرار يقدم باعتباره انتصارا لمطالب المواطنين.
ثم يأتي البعد السياسي. فالساعة الإضافية ارتبطت بمرحلة حكومة العدالة والتنمية، وتحولت إلى ملف استُخدم في التأثير النقاش السياسي. واليوم فإن العودة إلى غرينتش تمنح الحكومة الحالية والحزب الحاكم فرصة لضرب بنكيران وحزبه وتقديم نفسهما كمن يصحح اختيارات حكومة العدالة والتنمية السابقة، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى إعادة ترتيب صورته أمام الرأي العام واستغلالها في الانتخابات القادمة.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المواطن لم يكن هو من يضبط الساعة. بل المصالح الاقتصادية هي التي كانت تضبطها، والحسابات السياسية كانت ترافقها.
عودة عقارب الساعة إلى الوراء ليست فقط قرارا إداريا، بل اعترافا ضمنيا بأن سنوات من التبريرات لم تقنع المغاربة. فهل ستعود الدولة فعلا إلى جعل المواطن في قلب القرار، أم أن الأمر مجرد تغيير في التوقيت بعد تغير في اتجاه الرياح؟
